تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت كلمات جمال الدين الأفغاني، ومصطفى كامل، وعبد الله نديم، وعبد الرحمان الكواكبي، وعبد العزيز جاويش تهز الشرق كله، وقد هزت أشعار شوقي وحافظ والبارودي ضمير الأمة العربية.

وقد هاجمت الأمة العربية الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي بصحافة مصر وكتابها، وامتزجت عوامل الفكر والثقافة والأداب بين مصر وسوريا، وكان للسوريين أثر واضح في صحافتها وأدبها.

* * *

وهكذا صور الأدب العربي معركة المقاومة والتجمع، صور أدب فلسطين: أدب الدم والثأر، وصور أدب المغاربة الأشداء، وصور الجزيرة العربية بصحرائها ووهادها وجبالها، وصور هجرة السوريين واللبنانيين من وجه الظلم والمجاعة والاضطهاد إلى أمريكا وإقامتهم هناك يصنعون المجد والثورة. فكان أدبهم هناك ذا حنين، وصيحة إيمان بالعروبة، ودعوة إلى التحرير، وكان لمجزرة سطيف بالجزائر وميسلون بالشام، ودنشوان بمصر رنين في الأدب.

وظهر الشعر الاجتماعي يدعو إلى تحرير المرأة ويطالب بالعدالة الاجتماعية، وبالرغم من أن الأدب ظهر في مصر وفي لبنان وفي السودان، وفي أجزاء كثيرة من العالم العربي يحمل الدعوة إلى الوطنية الضيقة ويفاخر بالأمجاد الفرعونية أو الفينيقية أو غيرها، فإن ذلك أصبح على مرور الزمن إيمانا بأن الأدب الوطني قد يستمد من مجده الفرعي قوة على الدعوة للمجد العربي الأصيل

وأنه حين يمجد رقعته الضيقة إنما ينظر إليها على أنها جزء من الوطن العربي الكبير

ولا شك أن عظمة لبنان هي عظمة للعرب، وأن شجاعة سوريا جزء من الشخصية العربية، وأن امتزاج الأجناس في تونس ومراكش والسودان هي حقيقة قائمة وراء الإيمان القوي بالأمة العربية

وكذلك لم يعرف الأدب العربي في هذه الفترة العزلة والانكماش ولم يعرف السلبية، وإنما أمدته هجمات الاستعمار ومؤامرات التغريب ودعوات الانفصالية والتجنيس والتجزئة قوة على أن يحيا ويعمق ويتسع، فاستفاد من الأدبين الفرنسي والإنجليزي في الأسلوب والمعنى وفي العرض والأداء، وامتص منهما ما زاده قوة في نفس الوقت الذي ظلت ملامحه الحقيقية واضحة لم يضعفها الامتصاص.

وبذلك لم يتحقق لدعاة التغريب من العرب مطمعهم في أن ينتقل من العربية إلى العامية، أو من الأصالة إلى الركاكة، أو يتنكر لأمجاده ويزدريها، أو يستجيب للقومية الضيقة وينفر من التجمع، وسافرت البعثات متوالية من القاهرة ومن تونس ومن لبنان ومن أنحاء العالم العربي إلى أوربا وعادت دون أن يغير ذلك من فهمها سوى أفراد قلائل كشفهم العرب ونبذوهم، بل إن الذين ذهبوا إلى أقصى الأرض وعاشوا في قلب التيار الغربي لم يستطع هذا التيار أن يطويهم.

يقول الشاعر القروي في مهجره عن الوطن العربي (أمتي. إذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة فكأنما أكلوا جوارحي. وإذا أهدروا عربيا في لبنان أو تطوان فكأنما شربوا نخبة من دمي، وكان كل بلد قوي من بلادي ساعدي مفتولا، وكل شعب خامل زندي مشلولا، بل ما أعد ذاتي إلا خلية في جسد أمتي أنا وحدي من سبعين مليونا من العرب كل واحد منهم أنا. فينبغي أن أحبهم سبعين مليون ضعف حبي لنفسي. من افتداهم فكأنما أحياني سبعين مليون مرة ومن خانهم فكأنما قتلني مثلها).

وهكذا غلبت قوة الأدب العربي الأصيلة على التيارات الضالة التي ما تزال تتردد في خفوت، ويحملها علماء للغرب من العرب يدعون لها بأسلوب أو بآخر، ولكن ليس في حماسة ما كان في الماضي ولا قوته، ونحن نثق بأنه لم يعد ممكنا بعد أن بلغ عمق دعوة الوحدة في الأدب ما بلغ أن تستطيع هذه المذاهب التغريبية أن تنتصر أو تجد سوقا رائجة.

ولكن الأدب العربي مع ذلك يجب أن يظل من اليقظة بحيث يواصل معركة المقاومة التي لم تنته ويضرم نارها.

وصدق الرصافي إذ يقول: «إننا أمة تدرأ الضيم ولا تستكين قط لوال أو لغاصب».

وأمكن خلال هذه الفترة أن تدحض نظريات كثيرة كانت متألقة في أول القرن، فلم يعد صدقا ما قيل من أن النهضة العربية مستقاة من الثورة الفرنسية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٥٨