تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام، ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه، قد ترك بذلك دينه. وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات أو جحد ما يعمل من الدين بالضرورة، كالصلاة وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين. ومضى إلى أن قال: ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك كان حكمه حكم المنافقين، وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة. وقد حكي ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة.

قال محمد تقي الدين الهلالي مملي هذه المقالة: المراد بالداعية البدع فيما تقدم من يدعو إلى القول بخلق القرآن، وإنكار عذاب القبر، وإنكار شفاعة النبي يوم القيامة، والقول بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، ونحو ذلك مما اختلف فيه المتكلمون من الطوائف الإسلامية. والصحيح عند المحققين أن تلك العقائد لا تخرج المسلم عن الدين ولا تلحقه بالمرتدين. ولكن إذا كان الداعية إلى مثل تلك البدع محكوما عليه بالقتل عندهم، فكيف تكون الحال في من يعتقد أن رسالة محمد قد نسخت وأبطلت بظهور الباب والبهاء. وينكر جميع فرائض الإسلام وينكر قيام الساعة الذي تكرر ذكره في القرآن، ويزعم أن المراد بذلك ساعة قيام البهاء مؤسس البهائية إلى غير ذلك من الكفر الصريح الذي لا يختلف فيه أحد من المسلمين.

وقال الإمام ابن قدامة في كتاب المغنى المجلد 8، ص123. كتاب المرتد. المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، قال الله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال النبي (ص) من بدل دينه فاقتلوه، واجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد. وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد، وغيرهم ولم ينكر ذلك فكان إجماعا.

وقد أطال ابن قدامة في هذا الموضوع وذكر تفاصيل أقوال العلماء في استتابة المرتد أو قتله بدون استتابة. ولم أر حاجة إلى نقل ذلك، فليراجعه من شاءه. وكذلك الإمام أبو محمد ابن حزم في المجلد 11 في المسألة رقم 2195 ص188 من كتاب المحلى له. وهذا الحكم مذكور بتفصيل في كتب التفسير والحديث وشروحها. وفيما ذكرته كفاية لكل مسلم مخلص في إسلامه.

وأما غير المسلمين فلما معهم كلام آخر، نقول لهم: ما ترون فيهن خرج من صفوفكم وانضم إلى أعدائكم ما حكمه، فسيقولون، إننا نفرق بين الدين والدولة مقتدين بما جاء في الإنجيل (اعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر). ومن الكلمات الجارية مجرى المثل السائر (الدين لله والوطن للجميع)، فمن خرج من صفوف شعبه ودولته والتحق بصفوف أعدائها يكون مرتكبا للخيانة العظمى ويستحق القتل. وأما من خرج من ديننا إلى دين آخر أو إلى غير دين فليس عليه جناح ولا يستحق عقابا. قلنا، لكم دينكم ولنا ديننا. أما نحن فلا نفرق بين الدين والدولة أبدا، فكل شيء عندنا لله، وليس لقيصر شيء، بل قيصر نفسه هو لله. وقولهم: الدين لله والوطن للجميع، إن كان معناه حفظ حقوق المواطنين المشروعة كيما كان دينهم فالإسلام يقول به ويعطي كل ذي حق حقه، ولا إكراه في الدين، إن كان معناه أن حق الله محصور في الدعاء بين جدران الكنيسة، ولا حق له فيما يحاوله المسلم ويزاوله من أمور دنياه، فلا حلال ولا حرام إلا ما حلله أو حرمه القانون الوضعي، ولا واجب إلا ما أوجبه القانون الذي وضعه أناس يجوز عليهم الخطأ والزلل وإتباع الهوى، فالإسلام يرد هذا القول ويراه في غاية الفساد، فالدين لله والوطن لله وسكانه لله، ويجب الحكم بينهم بما أنزل الله، وهو القرآن وبيانه من كلام رسوله الله. ولو آمنا بذلك القول لم يبق لنا إسلام ولا إيمان، فإن مقتضى ذلك أن من سب الله أو أحد أنبيائه لا شيء عليه، ومن سب الملك أو رئيس الجمهورية، بل من سب أي مواطن، وان كان في أسفل سافلين يكون قد ارتكب حراما يعاقب عليه. وعلى هذا يكون حق أي مواطن أعظم من حق الله، ومنزلة أي مواطن أعظم من منزلة جميع أنبياء الله، فأي دين يبقى مع هذه العقيدة الفاسدة المتناقضة، وماذا يبقى من المقدسات والعقائد التي لأجلها يحيا المسلم أو يموت. قال الله تعالى في سورة الممتحنة رقم4: (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والدين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دوم الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده)، وقد كان معنا في إذاعة برلين رجل انجليزي اسمه جورج، وكان يلقب على سبيل المداعبة (لورد) (هو هو) كان يذيع الأخبار من تلك الإذاعة باللغة الإنجليزية. وبعد انتهاء الحرب سمعنا أنه حكم عليه بالقتل من قبل محكمة بريطانية واعتبر اشتغاله في برلين في زمان الحرب خيانة لوطنه يستحق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٢٨