من الواضح أن الجاحظ لا يستعمل هذه المصطلحات فيما تستعمل فيه عند المتأخرين، ولكنه يستعملها استعمالا آخر يقرب من استعمال المتأخرين حينا ويبعد أحيانا ..
فنظرية الجاحظ في النقد والبلاغة تنبني قبل كل شيء على الذوق، فهو الحكم في جودة الكلام أو ضعفه، وكلن الجاحظ إلى جانب هذه النظرية نجده مطلعا على آراء الهنود واليونان والفرس في البلاغة، ويظهر ذلك من نقله في كتابه عن (صاحب المنطق) وعن غيره من اليونانيين آراء عديدة في المنطق والبيان، وبذلك يكون الجاحظ وقف عند حده ولم ـ يفلسف ـ النقد الأدبي، ولم يتأثر كثيرا بما ترجم في عصره من آراء في البلاغة والبيان.
ونجد في نهاية القرن عبد الله بن المعتز يؤلف كتابا يسميه ـ البديع ـ جمع فيه سبعة عشر نوعا من فنون الكلام وأساليب التعبير، وواضح أنه لا يقصد البديع الاصطلاحي، وإنما يقصد البلاغة والنقد فنجد من أنواع البديع عنده التشبيه والاستعارة وهما في الاصطلاح من مباحث علم البيان ..
في القرن الرابع:
أطل القرن الرابع والنقد الأدبي يرفع رأسه بين الفنون الأدبية متكاملا ناضجا يحتل بين الكتاب والشعراء والمؤلفين مكانا مرموقا، فالكل يعلم أن ثمار هذا الفن ظهرت يانعة عند ابن هلال العسكري في كتابه (الصناعتين)، وعند الجرجاني في كتابه (الوساطة) بين المتنبي وخصومه، وعند الآمدي في كتابه (الموازنة بين البحتري وأبي تمام)
ولكن طريقة هؤلاء كانت تعتمد قبل كل شيء على وزن الإنتاج الأدبي بالميزان الذي يرتضيه الذوق العربي والتفكير والتعبير، وكل واحد من هؤلاء المؤلفين النقاد كان يرمي إلى هدف واحد وهو أن يكون الشاعر أو الكاتب ذا حاسة فنية تجعله يراعي الذوق السليم في تركيب الجمل والوصف والتشبيه والاستعارة وغيرها.
وإلى جانب هؤلاء ظهرت طريقة أخرى وهي طريقة قدامة بن جعفر المتأثر بالثقافة اليونانية والتفكير اليوناني في البلاغة والنقد .. فقد ألف هذا الناقد كتابين هما (نقد الشعر) و (نقد النثر) والبون شاسع بين هذين الكتابين وبين كتب العسكري والأمدي والجرجاني ...
فطريقة قدامة أقرب إلى العقل بينما طريقة سابقيه أقرب إلى الذوق .. فبينما نجد قدامة يستعمل منطق أرسطو، نجد سابقيه يستعملون الذوق الفني والميزان الوجداني ..
ومن الإنصاف أن نقول أن أصحاب المنطق أفسدو الذوق الأدبي عند كثير من الشعراء والكتاب فجردوا الشعر من الجمال بينما لا معنى للشعر بدون جمال .. ولعلنا سنتمكن من الحديث عن جوانب من هذا الموضوع في المستقبل بحول الله.
فاس: عبد القادر زمامة