تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حول عن موزون الشعر). كما تحدث عن ذلك أبو حيان التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) والصلاح الصفدي، وكثير من نقاد الأدب المحدثين.

أما الصلاح الصفدي فبرى أن للترجمة من لغة إلى أخرى طريقتين لا ثالثة لهما:

الأولى هي طريقة يوحنا ابن البطريق وغيره، وهذه الطريقة في الترجمة طريقة عقيمة ورديئة، وذلك لأنها تلتزم (الحرفية) في الترجمة، ومن شأن الترجمة الحرفية دائما أن تمسح الأثر المنقول وتذهب بروعته وحسنة، وتوقع المترجم في ركاكة أسلوب لا تتصور وغرابة تعبير لا توصف.

والطريقة الثانية ـ في رأي الصفدي ـ هي طريقة حنين بن اسحاق والجوهري وغيرهما، وهذه الطريقة تمتاز عن الأخرى بأنها لا تلتزم الحرفية وتستند إلى التعريب بحيث يأخذ المترجم الجملة أو العبارة أو الفقرة من اللغة الأجنبية ويقرأها فيحصل معناها في ذهنه ثم يعبر عنها بلغته، ويشهد على جودة هذه الطريقة وروعتها ما عربه حنين بن إسحاق من كتب الطب والمنطق الطبيعي والمنطق الإلهي.

وحق أكيد أن الذين يعتمدون على الترجمة الحرفية في نقل الأثر الأدبي من لغته إلى اللغة العربية إنما يقدمون لقرائها هيكله ـ أي الأثر الأدبي ـ بدون لحم ولا دم .. ولا إحساس.

أما الذين يقرأون الشعر الأجنبي ويتذوقونه، ويجترون التجربة النفسية التي مرت بصاحبه اجترارا فيه من الصدق والحرارة والأيجابية حظ كبير فهؤلاء يمكنهم ـ على شريطة أن يكونوا ممن يجيدون لغتهم الأم ويعرفون أسرارها ـ أن يقدموا لنا أثرا أدبيا ليس يخلو من التلوين والتظليل والإيحاءات الموسيقى التي كان (يزخر) بها في لغته الأصلية.

ومن هؤلاء مترجم رائعة جيرالدي «أنت وأنا» الدكتور نقولا فياض ذي الريشة الساحرة التي ما فتئت ـ منذ عرف صاحبها عطاء الحرف ويسأله الكلمة ـ تنفخ معرض الكتاب العربي بكثير من معطياتها مثل: «الخداع والحب» و «حول سرير الإمبراطور» و «ريف الأقحوان» و «بعد الأصيل» و «دنيا وأديان».

وهو بالإضافة إلى ذلك مترجم قدير، يجيد اللغتين: العربية والفرنسية إجادة لا سبيل إلى إنكارها .. «وأنت وأنا» هي آخر أثر أدبي ـ فيما أعلم ـ نقله من الفرنسية إلى العربية، وقد ترجمه ـ نطما ـ ولذلك فأنت تجدد مضطرا ـ أحيانا ـ إلى الإتيان بزيادات قد لا تجدها في النص الفرنسي، ولكنها زيادات تحصل من كلام الشاعر، وهي لا تضعف قوله، بل بخلاف ذلك تفسره تفسيرا موافقا كما يقول الدكتور فياض نفسه، ويبقى المعنى العام قائما، ولكن القالب يختلف.

و «أنت وأنا» قصائد غنية بالصور الخضراء، تبرزها كلمات ندية الوقع، تستحم بضياء العاطفة، والعاطفة على حد قول صواب لبودلير هي سكرة القلب ومن سكرة القلب هذه طفحت «أنت وأنا «بنغم عذب، ولفظ رائق، اثنين من أعياد العطاء الأدبي .. الرائع.

استمع إلى «بوح» فهي أغنية حلوة صغيرة، كلماتها لن تهرم، ومعانيها لن تموت:

أحبك يا أمي حتى الجنون

أحبك حبا يفوق الظنون فهل تعلمين؟

أحبك .. هذا كلام معاد

وما كان يوما يؤدي المراد

ولكن أحبك .. كيف العمل

أحبك .. والحب غير الغزل

فهل تشعرين؟

وهل من سبيل لأن تكشفي

مجاهل نفسي وأن تعرفي

فما في الحروف بيان يفي ..

أفتش، أبحث عن قافية

تغذي الأمل

فليس صحيحا بأن القبل

هي الكافية

أحس على الصدر عبئا ثقيلا

وكم أتمنى الحديث طويلا

لأشبع روحي وأروي الغليل

فإن الحياة حياة الكلام

تفرج عن كرية المستهام

أريد الكلام، أريد، أريد

ولكن لو انقاد لي خاطري

وجئت بملحمة الشاعر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٨٣