تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحية هي تلك التي ترتبط بعصرها ومجتمعها لتتجاوب معهما وتعبر عنهما، وليست هي التي تحاول أن تخرج عن الزمان والمكان ولا التي تريد الرجوع إلى الماضي، وتلك حقيقة أولية تساعدنا على توضيح المفهوم من الثقافة القومية، ويمكن أن نبرز، في مجهود أول نحو تحديد تلك الثقافة، النقطتين التاليتين:

أولا: ان الثقافة القومية تحتوي على عنصرين أحدهما يربطنا بالماضي والآخر بالحاضر، فعنصر الماضي يتمثل في التراث الثقافي الذي يكون بالنسبة إلينا إحدى ركائزنا التاريخية الأساسية، ولكنه عنصر تبقى له قيمة تاريخية وفكرية مجردة ولا يلعب أي دور مباشر في حياتنا اليومية وفي مشاغل جيلنا، وأما عنصر الحاضر، فهي الثقافة الحية، الثقافة التي ينشئها الجيل وتتفاعل مع اهتماماته وآماله وآلامه وتوضح له حقائق العصر والمجتمع، وفي هذا النطاق يظهر بالخصوص ابتكار العباقرة وغوص النبغاء ووثبات الأحرار، ويتجلى التقدم الذي يحققه كل جيل، وهكذا، فإن لكل من تراث الماضي وإنتاج الحاضر دوره الخاص في الحياة الثقافية لدى كل مجتمع، وسنعود لهاته المسألة بشيء من التفصيل.

ثانيا: ان محتوى كل ثقافة قومية غير مستقر وهو في تحول دائم تبعا لتطور المجتمع، وهذا ما يجعل الأفكار التي تغذيه أو التي تتولد عنه ليست إلا ذات قيمة نسبية، فهنالك مشاكل وأفكار كانت تحتل الطليعة في عهد من العهود انتقلت في وقت آخر إلى المؤخرة إن لم تمت وتقبر بالمرة.

فمسألة نسبية القيمة الثقافية قلما يعيرها الباحثون عندنا ما هي جديرة به من الاهتمام، مع أن هاته النسبية هي التي يمكننا بفضلها أن نميز بين العناصر الأساسية والعناصر الثانوية في هذا الموضوع المتشعب.

وهكذا، فإن أولئك الباحثين حينما يريدون أن يحددوا ثقافتنا القومية ومحتواها يخلطون الماضي والحاضر بطريقة فوضوية ويتجاهلون عامل الزمان، ولا يدخلون بطريقة فوضوية ويتجاهلون عامل الزمان، ولا يدخلون في حسابهم كثيرا من الأحداث التاريخية العظيمة التي قلبت اتجاهنا رأسا على عقب، مثل اتصالنا العنيف والطويل بأوربا وما نتج عن ذلك من تحولات جذرية في مجتمعنا وحياتنا اليومية وسائر مفاهيمنا.

وعلى أساس هذين النقطتين اللتين استخلصناهما من التحليل السالف، يمكننا أن نشرع في البحث عن محتوى ثقافتنا القومية.

يتبع

سلا ـ محمد زنيبر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٥٥