تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 77

أصداء الثقافة والفكر

للأستاذ: محمد برادة

قامت فرقة التمثيل التابعة لمندوبية الشبيبة والرياضة بعرض مسرحية الفصل الأخير، تأليف الأستاذ عزيز السرغوشني وإخراج الطيب الصديقي.

والإطار الذي تجري فيه حوادث الرواية هو إطار قصور الأندلس أيام كان العرب ما يزالون يحكمون الفقود. ومنذ بداية المسرحية تشعر بأن هذا «القصر» يعيش في ظروف خاصة، لأن الجاسوسية الإسبانية، تعشش في جنباته متدثرة في زي الصداقة.

وما كان شيء ليحمل على الارتياب في الأب الإسباني وابنته الحسناء، لولا أنهم روعوا ـ ذات يوم ـ باغتيال سلمى العربية حبيبة بطل المملكة «ابن سهيل»، وباعثة الحماس في كل النفوس، وتتجه الأنظار إلى الإسباني وابنته لتترصد خطواتهما .. ولكن الأمير الشاب يعز الحسناء الإسبانية ويكلف بها، ويريد أن يحيا معها (هنا ساعات الشباب .. وترتفع الأصوات تشير إلى مصدر الخظر، وتتوفر الأدلة على التهم، ويتعرض السلطان إلى محاولة اغتيال، فلا يعود هناك مجال للشك في غدر الإسبانيين.

لعل القارئ يلاحظ أن ملخص المسرحية لا يدل على وجود عقدة مشوقة .. وهو أمر لا يعتبر نقصا، لأن الكاتب قصد إلى خلق إطار تاريخي يرسم من خلاله شخصيات معنية، ويعبر عن آراء تترجم أفكاره أكثر مما تطابق الحقائق التاريخية، فالبطل «ابن سهيل» عند ما يناجي جثمان «سلمى» ويظل متشبتا بذكراها، إنما يعكس صورة للثابتين على المبدأ، المفتونين بأن يلعبوا دائما دور «البطولة» وفي مقابله نجد شخصية المضحك «سليمان» الذي لا يتحرج من أن يكذب، وينافق، ويسخر من المقدسات بما فيها أوهام البطل ابن سهيل. وهناك الآخرون: الأمير والوزير، والفقيه، والزعيم .. كل منهم يمثل دورا، ويسلك سلوكا .. ويشعرن المؤلف من خلال تطور الأحداث أن هناك «أزمة» تكمن في نفس كل واحد من أبطاله .. وطبيعي أن يحاول البحث عن حل هذه الأزمة. أن الحل في نظره يكمن في قدرتهم على مواجهة «النفس» بشجاعة، ونزع الأقنعة التي تمسخ حقيقتهم وتحولهم إلى دمى. أية أقنعة، وأي نفاق؟

هنا نختلف مع الكاتب لأنه أراد أن ينتهي إلى نوع من «التعميم» يحكم بمقتضاه على أن هناك «طبيعة إنسانية» واحدة وأن الداء يكمن في النفوس، لا في الظروف. والواقع أن مشاكل عامة تخضع المصارع المجتمعي والعقائدي والسياسي، لا يمكن أن يبحث لها عن حلول داخل النفس الخالدة .. وما عاد الوعظ يجدي ـ ولا أظنه كان يجدي ـ في وقف الشر، وتغيير الفساد ..

وهناك ملاحظات أخرى تتصل بالإخراج والممثلين، ففي الفصل الأول جاء منظر البطل «ابن سهيل» وهو يناجي جثمان سلمى مضحكا، ذلك أن الطريقة الخطابية والمعاني نفسها، والمباخر والبسملات .. كلها أعطت نتيجة عكسية. وفي الفصل الأخير انتقل المخرج إلى أسلوب حديث، إذ جمع كل الأبطال وجعل كل واحد منهم يكتشف القناع عن نفسه. وأظن أن هذه الطريقة لا تناسب الأسلوب الذي كتبت به المسرحية ..

وقد كان الممثلون في مستوى عاد باستثناء أحمد الطيب العلج الذي أجاد تقمص شخصية المضحك وأضفى عليه من عناياته. ومن المؤسف أن معظم الممثلين لا يحسنون إلقاء اللغة العربية الفصحى، ويسرعون كثيرا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦١٠