تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 33

من قضايانا العالمية المعاصرة: العلم الحديث ومستقبل التطور الحضاري

للأستاذ: المهدي البرجالي

إلى أي حد يذهب العلم في ارتباطه بالحياة الإنسانية الحاضرة؟ ما نتائج ذلك؟ ما هي طبيعة الظروف العالمية التي تسيطر الآن على مناهج البحث العلمي ومنجزاته؟ هل من المعقول أن تستمر هذه الظروف؟ ما صلة ذلك بالنظرة إلى «خيرية» العلم أو «شريته»؟ هل يمكن حدوث تطور جذري في هذا المجال؟.

منذ بضع سنوات، دارت مناقشة هامة بين عدة علماء من جنسيات مختلفة ضمن الدورة العاشرة لمؤتمر اليونسكو التابع لهيئة الأمم المتحدة، وكان محط النقاش موضوع العلم، وصلته بالحياة الإنسانية سواء بالنسبة للحاضر أو المستقبل، والموضوع هذا لم يزل يشغل من اهتمامات الناس وعنايتهم حيزا كبيرا على اختلاف درجات الاهتمام، ومستوى عمقه وقيمة نتائجه، خاصة بعد أن أصبح للمنجزات العلمية التطبيقية تأثير راديكالي متزايد على حياة الأفراد والجماعات، واتجاه إلى تحويل صور الحياة الإنسانية سواء على سطح القارات أو المحيطات أو الجزر، وإذا كانت قضية العلم وعلاقته بالمصير الإنساني قد أصبحت على هذا المستوى من الأهمية بالنسبة لحياة الإنسان المعاصر، وإذا كانت لذلك تعتبر ذات قوة على اجتذاب انتباه الناس، والاستئثار بأفكارهم ومصادر تعقلهم، فإنها ـ فوق ذلك ـ تحدث قسطا من التأثير أكبر على ضمير العلماء والمختصين في مختلف فروع المعرفة المادية والنظرية، أولئك الذين تؤهلهم مستوياتهم العقلية والتجريبية للنظر إلى صميم القضية من زاوية خاصة أكثر موضوعية وواقعية، وأبعد أفقا واستشرافا، ومن خلال النقاش الذي استدار بين العلماء في مؤتمر اليونيسكو سنة (1959) أعرب البعض منهم ـ ومن بينهم هامات بارزة في ميادين الاستكشاف النظري والتطبيق التقنولوجي ـ أعربوا عن آراء متفائلة فيما يتصل بمركز العلم في الحياة، وعلاقته بالمصير الإنساني على وجه عام، بل أن من بينهم من ذهب إلى حد التشديد على خيرية العلم المطلقة، وتناقضه في الجوهر مع الحقائق الحياتية الشريرة التي يعج بها عالم اليوم، والتي يعتقد أنها منبثقة عن التقدم العلمي بشكل أو بآخر، وقد قال أحد العلماء في هذا الصدد: «إن إمام الإنسان في هذا العصر ثقة بالمستقبل، لأن الاكتشافات العلمية تقوي ثقة الإنسان بنفسه .. » على أنه من جانب آخر فإن الحقائق الرهيبة أحيانا .. تلك التي أصبح يفضي إليها التطبيق التقنولوجي للعلم، وخاصة في ميدان الحراريات على اختلاف أنواعها، وكذا في ميادين الدفع والإطلاق الموجه آليا ـ إن هذه الحقائق لا تفتا تثر الأفكار السلبية والخواطر المشائمة عند العديد من العلماء المفكرين، بالإضافة إلى ما تثيره من مشاعر القلق البسيط لدى الناس العاديين في مختلف أنحاء العالم، فالعلم من وجهة النظر المتشائمة هذه قد لا يجوز أن يعتبر عاملا خيرا في جميع الحالات وبصورة مطلقة، بل إن إليه ـ على العكس ـ يعود الكثير من الجوانب المأساوية في حياة الإنسان المعاصر، هذه الجوانب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٦٦