تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هي أول ما أسرعت إلى تقرير مادته سنة 1888 ثم تبعتها جامعات السويد والدانمارك وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وغيرها من البلدان.

وقد يتساءل القارئ بعد هذا: «وماذا عسى أن يكون حظ العرب في هذا الفن؟» وقبل أن أرد على هذا التساؤل أشير إلى حقيقة لا يجب إغفالها وهي أن النهضة العربية التي اكتسح تيارها مختلف ميادين الحياة وفروعها لم تكن لتغفل التراث الشعبي بما يحمل من مظاهر حضارية وثقافية تبرز ذاتية الأمة وشخصيتها. وسوف لا أتحدث عن المغرب وعنايته بالآثار الشعبية، فهذا موضوع سأتناوله في بحث خاص، وإنما سأشير بقصد التمثيل إلى بعض مظاهر نشاط البلاد العربية في هذا الميدان، خاصة الجمهورية العربية المتحدة فقد أنشأت بالمجلس الأعلى للفنون والآداب «فرقة الفنون الشعبية» و «لجنة الفنون الشعبية» وكانت تسمى أول الأمر «لجنة أدب اللهجات الدارجة» و «مركز الفنون الشعبية» يضم مكتبة تشتمل على كثير من النماذج المسجلة، كما أنشأت سنة 1957 «متحف الحياة والفنون الريفية» عرضت فيه الصناعات والأزياء الريفية وغيرها مما يتصل بحياة الريف في مصر. ومثله متحف التقاليد الشعبية الموجود في دمشق.

وأذكر أن حكومة الجمهورية العربية المتحدة أوفدت سنة 1960 بعثات ثلاثا إلى جامعة استكهولم وادنبرة ومعهد أنديانا بأمريكا قصد التخصص في الفنون الشعبية. وما ينبغي الإشارة إليه أن وزارة الثقافة والإرشاد في هذه الحكومة ترصد كل سنة جوائز للمهتمين بهذه الفنون، قيمة الأولى منها ألف جنيه أي ما يزيد على عشرة آلاف درهم.

وفي جامعة القاهرة قررت مادة الأدب الشعبي في قسمي الليسانس والماجيستير، بل أنشئ لها كرسي أسند لأستاذنا الدكتور عبد الحميد يونس الذي كان قدم أطروحة عن «الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي». ومثل السيد يونس أستاذتنا الدكتورة سهير القلماوي التي نالت درجة الدكتوراة برسالة عن «ألف ليلة وليلة»، والأستاذ أحمد رشدي صالح الذي كتب «الفنون الشعبية» و «والأدب الشعبي»، والسيدة نفيسة الغمراوي التي تحدثت في كتابها «حركات شعبية قومية» عن الرقص الشعبي والدكتور عبد الرزاق صدقي صاحب «الفنون الريفية»، والأستاذ سعد الخادم الذي ألف «معالم من فنوننا الشعبية» وغيرها من الكتب المتعلقة بهذا الفن.

وقبل هؤلاء المرحوم أحمد أمين، فقد ألف «قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية». وفي غير مصر نجد الأستاذ عبد الله بن خميس يكتب عن «الأدب الشعبي في جزيرة العرب»، والأستاذ محمد العبودي يكتب عن «الأمثال العامية في نجد».

وإذن فقد ازدهرت دراسة الفولكلور واستقرت قواعدها ومناهجها على نحو ما يبدو من الاهتمام البالغ الذي أوجزنا عنه القول، والذي يرجع في الحقيقة إلى عوامل ساعدت على ازدهار هذا العلم بل على ظهوره واستقلاله قبل أن يطلق عليه اصطلاح الفولكلور، يمكن حصرها في النقط التالية:

أولا: الاتجاه الديمقراطي الذي رفع من الشعب وشأنه ولغته وعاداته وجعله شيئا فشيئا يأخذ مكانة الأسياد والنبلاء الذين كانوا يسخرونه في احتقار وعنف مقابل الفتات والفضلات.

ثانيا: الخوف على مظاهر حياة الشعب التقليدية من الزوال، والرغبة في المحافظة عليها بعد أن أخذت تضيع نتيجة لهذا التطور الجذري في حياة الشعب، خاصة بعد أن ألف ممارسة أساليب العيش الجديدة.

ثالثا: الكفاح من أجل التحرر والاستقلال وما سببه من ثورات كانت حافزة للشعوب أن تلتفت نحو ذاتيتها وشخصيتها وأن تحافظ في حماس على مظاهر حضارتها ومقومات ثقافتها مهما كانت بسيطة أو بدائية.

رابعا: توسع الاستعمار واتصاله بالشعوب وتراثها وعاداتها وتقاليدها ومحاولته بالبحث والدراسة والترجمة أن يكشف النقاب عن خصائص هذا الشعب أو ذاك من خلال ظواهره الاجتماعية التي تبين عن مستواه الفني والحضاري.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٦٤