بعد، فكان المسجد والمسجد وحده المرجع الوحيد لسد هذه الحاجات الضرورية لكل الطاقات ماديا وروحيا، فهذا الأب الأول آدم عليه السلام يؤمر من تلقاء ربه تعالى بتأسيس بيت بوادي مكة التماسا للرحمة والمغفرة، كما أن الرسول محمدا عليه السلام بنى مسجده الذي انفرد بالدور القيادي على المساجد جميعها - فكان مركز الخلافة في أهم عصر من عصور الإسلام أيام أبي بكر وعمر وعثمان، وهو طبعا ثالث المساجد التي إليها تشد الرحال بل كان المكان المختار لمجلس عمر بن الخطاب في قضائه وتدبيره شؤون الدولة ومنه خرجت فتاويه للناس في وقت كان فيه مجلس شواره الخاص مع عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن، بن عوف، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وغيرهم من فقهاء الصحابة وذوي الرأي والرشاد فيهم.
فهؤلاء وغيرهم كثير ممن تكلفت بذكرهم كتب السنة والفقه كانوا طلابا وأساتذة في ءان واحد في جامعة الإسلام الأولى التي مقرها المسجد النبوي في المدينة المنورة خلال القرنين الأول والثاني من هجرة الرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه.
وهكذا كان الحال في الحرم المكي حيث كان كبار الصحابة يجلسون لأداء رسالة التهذيب والتثقيف كمعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس، وغدا المسجد امتدادا لهذه الحلقات الروحية يلعب دوره الخطير في رفع لواء الإسلام خفاقا في عواصم الإسلام ومدنه كالبصرة والكوفة والشام بعد فتحه والسودان وجامع الزيتونة في تونس بعد جامع القيروان، والأندلس التي منذ فتحها العرب وهم ينشئون المساجد ويتوسعون في إقامتها لدرجة أن مدينة ((قرطبة)) وحدها كان بها سبعمائة مسجد وهذا وحده يبرهن في وضوح على مدى عناية الإسلام والمسلمين بالمسجد وتأسيسه لما وقع في صدورهم - أن المسجد كان مركز أشعاع للثقافة في كل الأصقاع الإسلامية المترامية الأطراف - نعم اهتدى بعض الخلفاء لأول عهود الإسلام المشرقة لتأسيس المدارس والمعاهد فكان هشام بن عبد الملك أول مؤسس مدرسة في الإسلام بالشرق تكلفت بضم طلاب المعرفة على اختلاف ألوانها كما كان الأستاذ وجاج بن زلو اللمطي الإفريقي أول مؤسس مدرسة بالمغرب الأقصى شعت أنوارها على المغرب العربي بواسطة أحد خريجيها - الزعيم الشهيد - عبد الله بن ياسين.
فكان هذا فتحا جديدا دعم المسجد وساعده شيء قوي حركة التأسيس المدرسي وحفز الملوك والشيوخ بوجه أخص لفتح الزوايا والمدارس إزاء المساجد خدمة للمعرفة والثقافة وسعيا وراء تكوين أجيال صالحة تضطلع بمسؤوليات الحياة في شتى ألوانها - واستمرت الحال هذه عبر العصور والأجيال بل استعت أيام الدولة المرينية بالمغرب حيث علا مؤسساتها الفن والزخرفة ويكفي شاهدا على ذلك أن يرى المعاصر مدارس فاس - وسلا، ومراكش، وغيرها وعلى هذا المثال سار السعديون في القرن العاشر وأوائل الحادي عشر الهجريين، غير أن طابع الفن ورقته تجليا بصفة خاصة في مقبرتهم بقصبة مراكش قرب جامع المنصور الشيء الذي اضطر معه الكاتبان الفرنسيات - الإخوان جروم وجان طارو أن يقولا: أن من لم يشاهد في حياته مقبرة الملوك السعديين في مراكش لم يدرك إلى أية درجة من الارتقاء بلغت المدنية الإسلامية.
واتصلت حلقات التأسيس وبناء المساجد في دولتنا العلوية الشريفة بأغزر وأروع مما عرفته الدول قبل إنشاء وتجديدا حيث اندفع جمهور من أبناء المغرب لوقف وتحبيس الأراضي والرباع على تأسيس المساجد وصيانتها (والناس على دين ملوكهم) بل امتازوا عن سواهم بحضور دروس العلم بأنفسهم فهذا المولى الرشيد العلوي يحضر حلقات الدراسة بجامع القرويين ويحض كلا من الأساتذة والطلبة على بث العلم وتلقيه بروح ملؤها الصدق والإخلاص، كما نرى أخاه المولى اسماعيل يحبس عدة كتب علمية قيمة على خزانة القرويين، وتلك سنة المنصور السعدي (الذهبي) قبله.