إمساكهم بزمام السلطة، كانت تقتضي منهم التزامات خاصة. ليس فقط أن العلويين كان يجب عليهم أن يعطوا المثال على التقوى، بل كذلك كان يجب على الشريفات أو زوجات الشرفاء أن يشتركن في صلاة الجمعة، بعيدا عن أعين الرقباء. ولم تتطور مقصورة النساء قط مثلما تطورت في مسجد لالا عودة، فإلى جانب المكان العادي المخصص للنساء في الأبهاء الجانبية للصحن، هناك قاعة فخمة مقفلة خاصة بالنساء. ومن جهة أخرى، كان المولى الرشيد قد اشتهر أنه صديق الطلاب وحاميهم، وقد بنى لهم في فاس مدرسة الشراطين وفي مراكش مدرسة بن صالح. وقد أظهر المولى إسماعيل، منذ بداية عهده، نفس العناية بهم .. ففي أول مسجد كبير بناه، أي في المسجد الجامع لقصره بالذات، شيد لهم مدرسة وقاعة للدروس.
والمسجد، شهادة أركيولوجية (أثرية) ثمينة، أيضا. فهو يقدم لنا مثلا جميلا عن مسجد القصر. وهو داخل في حظيرة المدينة السلطانية، ويمتلك مشوره الخاص ومدرسته. وهو يتصل بالقصر بواسطة ممر مقفل، خاصة. فمعماريو المولى إسماعيل قد طبقوا من جديد تقليدا قرطبيا قديما ترك العمل به من دون شك في القرون التالية، فلا نجد شيئا مشابها، لا في مسجد قصبة مراكش، ولا في المسجد الكبير بفاس الجديد. وقد كان للمولى إسماعيل حتى في مدخل المسجد مرحاض لاستعماله الخاص، بينما كان يكتفي فيما قبل بتهيئ حوض صغير في زاوية من زوايا حجرة الإمام.
وهذا الحرص على عدم اختلاط العاهل بعامة رعاياه، يظهر في جميع الترتيبات الخاصة بهذا البيت الديني. فالمشور، وهو المدخل الوحيد في المسجد، الذي كان في متناول الجمهور، كان من الممكن حراسته وإقفاله لأول خطر. وفي القرون السابقة، لم تكن مساجد القصور المغربية محصورة داخل بناء القصور. فقد كانت، كجميع المعابد الأخرى، تفتح للجمهور من عدة أبواب، ثلاثة على الأقل، محفورة على ثلاث من واجهاتها. وفي عهد المولى إسماعيل، بدأت الحياة في القصبة السلطانية تنفصل أكثر فأكثر عن الحياة في المدينة التجارية. ولا يظهر أن أحدا من الملوك (غير المولى إسماعيل) أظهر، منذ بداية ملكه، مثل هذا الحذر من رعاياه، ولا أحد تمسك مثله بأداء الصلاة وهو تحت الحراسة الجيدة، في مأمن من كل اعتداء.
ومن أجل إعداد البرنامج المعماري لمسجد القصر هذا، اعتمد معماريو المولى إسماعيل تقليدا (فنيا ـ معماريا) يرجع للعصر السابق، ولكن مع إفقاره. فبيوت العبادة السعدية الكبرى في مراكش، باب دكالة، المواسين، سيد بن العباس، تكون مجموعات معقدة تحوي بالإضافة إلى المسجد ذاته، مرحاضا عظيما، ومدرسة، وسقاية غالبا ما تحمل فوقها مدرسة قرآنية. ولكن هذه البنايات، كانت تتجمع بنوع من الحرية في الشارع وحول الساحة التي تجاور الجامع. كل هاته العناصر جاءت تنتظم هنا (في مسجد لالا عودة)، باستثناء المسيد في أقصى ساحة المدخل. وقد خصصت الميضة (المرحاض) للمسجد فقط، وأصبحت السقاية قوسا بسيطا مزخرفا فوق حوض ضيق. فالبرماج المعماري الجميل الذي اقتبسه المعماريون السعديون عن فن المماليك، قد صغر وأضعف.
ومخطط مسجد لالا عودة وملحقاته، إن لم يكن له شرف الأصالة، فله على الأقل حرية المنطق. والداخل إلى المسجد يفاجأ بوضوح الترتيب واتساع النسب. لكن المخطط (المأخوذ عن الجامع الآن) لم يعد يعطي هذا الانطباع بالتناسق، بنفس الدرجة، فسمك الجدران، المتغير جدا، غير منطقي في غالب الأمر ولا يعبر دائما عن تقسيمات البناء الرئيسية. وعدم التساوي هذا في التفصيل يقضي جزئيا على التوازن الجميل الموجود في جملة البناء. ويشعر بأن مخطط البناية قد وضع في نفس المكان، من دون أن يعد بعناية على الرسم.
إن فن المولى إسماعيل، في آثاره الأولى ـ وفي أحسن هذه الآثار ـ هو إذن فن بعيد عن التبشير بتجديد أو تقدم. ففي كل جانب تختلط أخطاء كبرى في التنفيذ بأنماط من الإلهام جميلة. ففن البناة لم يكن في مستوى حبهم للعظمة وحسهم المعماري.
من نشرة المؤتمر الرابع لاتحاد الجمعيات العلمية في إفريقيا الشمالية 1938
ترجمة الأستاذ عبد اللطيف ملين