دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 36
تاريخ بناء القرويين
للأستاذ: عبد الهادي التازي
إن كل أولئك الذين كتب لهم أن يزاولوا الدراسات التاريخية بصفة عامة وتاريخ المغرب بصفة خاصة يذكرون جيدا أن ابن أبي زرع في كتابه القرطاس نقلا عن أبي القاسم ابن جنون في تاريخه لمدينة فاس، وكذا سائر الذين حذوا حذوه من أمثال الجزئاني في زهرة الآس، وابن خلدون في تاريخه: العبر، وابن القاضي في جذوة الاقتباس، وغير هؤلاء يجمعون على أن مسجد القرويين بمدينة فاس ((شرع في حفر أساسه والأخذ في أمر بنائه أول رمضان من سنة 245 (30 نونبر 859) بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول، وإن أم البنين فاطمة الفهرية هي التي تطوعت ببنائه وظلت صائمة محتبسة إلى أن انتهت أعمال البناء وصلت في المسجد شكرا لله))، وهذه حقيقة تاريخية لا يسمح الباحث لنفسه بالاستسلام للشك فيها والتردد أمامها سيما وهي ترجع لوقت مبكر من تاريخ المغرب أعني وقت بني مرين أوائل القرن الثامن الهجري، بيد أننا نجد أنفسنا اليوم أمام وثيقة معاصرة للأدارسة، أنها لوحة منقوشة عثر عليها ـ عند أعمال الترميم ـ في البلاط الأوسط فوق قوس المحراب القديم الذي كان للقرويين قبل قيام المرابطين بتوسعة المسجد، لقد اكتشفت مدفونة تحت الجبس وقد كتب عليها ـ في جملة ما كتب ـ بخط كوفي إفريقي عتيق: ((بني هذا المسجد في شهر ذي القعدة من سنة ثلاثة وستين ومائتي سنة مما أمر به الإمام أعزه الله داود بن ادريس أبقاه الله ... ونصره نصرا عزيزا)).
وما دمنا في استعراض الآراء حول تاريخ بناء القرويين لابد أن نعرض لرأي ثالث نقله الدكتور أوسكار لانز (1) فلقد ساق ترجمة لنقش قيل أنه عثر عليه فوق ((صفيحة فضية)) مغروزة في أحد جدران المسجد وتوجد ضمن هذا النص العبارة التالية: (( ... بنى يوم الخميس من سنة 306 أول شهر ربيع النبوي .. )) أي في أيام ولاية يحيى الرابع ...
وحتى نرجع إلى حديث فاطمة وداود نشير إلى أن رواية الدكتور لانز لا نعيرها أي وزن من الناحية التاريخية لأنها خالية من كل سند ملموس سيما مع ما حكاه عن الطالب إدريس الذي زوده بهذه الوثيقة والذي لم يكتمه أنه وجد صعوبة في الوصول إلى بقية النقش، الأمر الذي يقرب إلى ((أساطير)) السياح أكثر مما يخدم الحقيقة التاريخية، هذا مع العلم بأن أول ربيع الأول يوافق حسابيا يوم الثلاثاء وليس يوم الخميس ... وبعد فلنرجع إلى ابن أبي زرع، واللوحة المنبعثة.
ولكن قبل أن نفتح الموضوع يجب أن نتعرف في كلمة وجيزة عن الإمام داود ابن إدريس تاركا التفصيل للبحث الذي كنت كتبته خصيصا عن هذه الشخصية (2):
بالرغم من أن جميع المؤرخين بخلوا على داوج هذا بأكثر من كلمة واحدة تتخلص في أنه ((لما توفي إدريس الثاني قام بالأمر بعده ابنه محمد، وأن هذا الأخير قسم بلاد المغرب بين كبار إخوته ترضية لهم وكان من بينهم داود الذي استأثر بإقليم تازة.)) وقد رددت سائر المصادر صدى ((الفتنة)) التي نشبت بين بني ادريس على أثر هذه ((الترضية)) لكنها لم تعد بحال لذكر اسم داود، وقد كاد هذا الإسم يعد في عداد الضائعين لولا عناصر ثلاثة:
1) Oskar Lenz : Voyage au Maroc - Paris 1886 - Vol 2
2) التازي، مجلة ((دعوة الحق)) العدد السابع السنة الثالثة أبريل 1960 ـ مجلة ((مجمع اللغة العربية)) بدمشق المجلد 36 جزء 2 ص 212.