تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 24

الجامع الأعظم بتطوان

للأستاذ: محمد العربي الحصلالي

انقشع الظلام، وغردت ورق الحمام، وتفتحت الأكمام، وأشرق نور الإسلام، فرفع للمساجد منارها، وأقام بنيانها، لتكون بيوتا لله، ومراكز لذلك النظام الجديد السماوي فيها بعبد الله بإقامة الصلوات، وجمع الصدقات، وأداء أنواع القربات، وفيها تعقد الاجتماعات لأنواع الدراسات، ومن علم وتعليم ومشورة وتآمر وتحاور في شؤون الدين وأمور الدنيا مما جاء به الإسلام الحنيف، وما يعود على الأمة بالخير العميم.

ومن يومئذ والمسجد هو المعقل الحصين لحياة المسلمين، يؤمونه خمس مرات في اليوم للعبادة والاتصال بربهم، ويقصدونه للتعليم لأنه أول مدرسة فاضت عليهم بالعلم الغزير، والخير الكثير، بل المسجد أكبر مدرسة فتحها وعلم فيها أكبر معلم عرفته الإنسانية على الإطلاق، وهو محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما كان التلاميذ الذين تخرجوا في مدرسة المسجد أشرف وأفضل تلامذة عرفهم التاريخ ومنهم الخلفاء الراشدون، وسائر أصحاب رسول الله عليه السلام، الذين هم أشرف طبقات هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وكانت مواد الدرس في هذه المدرسة هي أشرف وأسمى مواد على الإطلاق، وهي كتاب الله العزيز ونظامه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وسنة سيد المرسلين وتعاليمه الوضاءة، وبعبارة أخرى أن المسجد هو الجامعة الكبرى التي أسستها دولة السماء الجبارة، لتعليم أعلى المثل وأروعها للبشر، تلك المثل والتعاليم التي جاء بها الروح الأمين جبريل إلى أكرم معلم لتلقينها للبشرية جمعاء، لتكون نورا للناس، وحجة عليهم إلى يوم الدين، ومن ذلك نعرف مقدار اهتمام الإسلام والمسلمين بالمساجد وتعظيمها وبنائها وتشييدها في أول ما يشيدون، فما وضعوا تصميما لقرية أو مدينة إلا وكان المسجد من أول عماراتها، تأسيا بالمؤسس الأول محمد (ص) عند ما قدم المدينة مهاجرا فكان أول ما بدا به بناء المسجد الذي كان هو المجتمع، والمؤتمر، والمدرسة كما كان المعبد ثم جرى على نهجه ذلك المسلمون بعده، وهذا ما فعله أبو الحسن علي المنظري في بناء الجامع الكبير عند ما قدم مهاجرا مع أصحابه من الأندلس، إذن لهم محمد الشيخ الوطاسي ببناء تطوان لتكون مقرا لهم فكان من أول ما بدا به في تصميم المدينة هو المسجد جريا على تلك السنة ابتعها المسلمون في بناء قراهم ومدنهم، كما أشار إليه الناصري السلاوي في الاستقصاء بقوله: (ولما عقد له الشيخ الوطاسي ـ يعني المنظري ـ على أصحابه رجع بهم إلى تطاوين، وشرع في بناء أسوار البلد القديم فجدده وبنى المسجد الجامع به واستوطنه هو وجماعته) وكان ذلك في أواخر القرن التاسع الهجري، ومن هنا يتضح لنا أن تاريخ تأسيس الجامع الكبير كان منذ إعادة (المنظري) لتطوان التي كانت حصنا خربا يعوي فيه اليوم، فجاء مهاجرة الأندلس، وأعادوا إليه الحياة فتم ببنائه الجامع الأعظم الذي كان صغيرا بالنسبة إلى ما هو عليه الآن، وكان محاطا بالأبنية، وكان موقعه في سوق السياغين بجوار الملاح بوسط المدينة في مكان بارز، يظهر من جميع جهات البلد بصومعته التي ترى من كل نواحي تطوان، والتي يبلغ ارتفاعها نحو العشرين مترا، ويحتوي سلمها على 107 درجة، يبلغ ارتفاع الدرجة الواحدة نحو الشبر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٧٢