دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 21
من الحلقات المفقودة في تاريخ المساجد المغربية
للأستاذ: محمد الحمداوي
كان المسجد ولا يزال ذلك المكان الذي يذكر في معناه التثقيف العلمي الإسلامي في كل أطواره إلى جانب إقامة الشعائر الدينية الإسلامية في جميع أشكالها وصورها، فنحن ندرك مكانة المسجد الدينية حين نستمع أنى القرءان الكريم يتحدث عن هذه المكانة ويقول «إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين» وندرك مكانة المسجد العلمية حين نسمع رسول الله (ص) يتحدث عن هذه المكانة قائلا «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعمله فهو منزلة المجاهد» «ابن ماجة» ونكاد ندرك أن مكانة المسجد العلمية تكاد تكون راجحة حين نحدث فيما نحدث به عن رسول الله (ص) أنه خرج ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين، أحداهما يقرأون القرءان وأخرى يتعلمون ويعلمون فقال النبي (ص) كل خير، هؤلاء يقرأون القرءان ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وهؤلاء يتعلمون ويعلمون وإنما بعثت معلما» «ابن ماجة»، فالمسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة والأزهر وعمر بن العاص والزيتونة والقرويين وغير هذه من مساجد الإسلام في بلاد الإسلام في الشرق وفي الغرب ظلت منذ نشأة الإسلام والثقافة الإسلامية تلك الأمكنة التي لا يفترق عند ذكرها العلم عن العبادة في أذهان المسلمين وتواريخ المسلمين وتراجم رجال الإسلام العلماء والمتعبدين.
وفي المغرب الإسلامي كما في المشرق الإسلامي كانت حركة بناء المساجد تتابع حركة انتشرت في ربوع مغربنا منذ الفتح الإسلامي يكاد لا يحصيها عد سواء في ذلك مساجد المدن ومساجد القرى، وسواء في ذلك ما أسسه الملوك ورؤساء الدول وما أسسه الأفراد والجماعات والزهاد والعباد والقرئون والعلماء، وقد أدت هذه المساجد واجبها في نشر الحركة العلمية والثقافة الإسلامية بمختلف ألوانها وأشكالها مما حفظ للمغرب مكانته العلمية بين مختلف الأمم الإسلامية فإذا وقفت اليوم وزارة الأوقاف المغربية إلى إحياء هذا الثرات العلمي الزاخر، وما أداه للمغرب من خير علمي وافر، وذلك بتعدادها كلها أو بعضها وإحياء تواريخ مؤسسيها وعلمائها، وعلى الأخص في البوادي المغربية حيث لا يزال تاريخ الكثير من هذه المساجد مجهولا، فإنها تكون بهذا العمل قد قامت بأحسن ما تقوم به وزارة إسلامية في بلاد الإسلام فيها تاريخ حافل كالمغرب.
وهذا أحد تلك المساجد المجهولة التي أسسها أحد صلحاء هذه الأمة الذاهبين، ورجالها الذين أتوا مالهم يتزكى وما لأحد عندهم من نعمة تجزي إلا ابتغاء وجه ربهم الأعلى، فأدوا لأمتهم ولدينهم من خدمات ما أدوا، ثم انتقلوا إلى ربهم وهم أولئك الجنود المجهولون.
أكتب تاريخ هذا المسجد مساهمة مني لوزارة الأوقاف فيما أرجو أن توفي فيه من أداء هذا الواجب، وتأدية لما على من دين نحو هذا المسجد الذي في ساحته كان مسقط رأسي، وفيه حفظت كتاب الله، وفيه تعلمت كما تعلم الكثيرون من أبناء هذه الأمة الذين سلكوا طرق القبائل إلى هذا المسجد يطلبون العلم والتعلم ـ ما شاء الله أن أتعلم من مختلف العلوم الإسلامية التي كانت تدرس في هذا المسجد وقتذاك.