كان عن غير ذلك فقبولي من قلة الهمة (*)، وعلق ابن زيدان على هاته الملاحظة فقال: لأن منصب الخطابة بالقرويين أشرف من منصب الإمامة بالأندلس (*).
وبما أن البحث قد جرنا إلى ذكر بعض الخطباء والمدرسين بجامع الأندلس فإني أرى واجبا علي أن أذكر من بينهم العلامة الفاضل علي بن عبد الرحمن الأنفاسي المتوفى سنة 860هـ، لقد كان مطلعا على الفقه المالكي وانتفع به في قراءة المدونة جماعة من العلماء كالشيخ زروق والأستاذ الصغير النيجي والعلامة ابن غازي، ذكره في سلوة الأنفاس فقال: (حكي أن الناس احتاجوا في أيامه للمطر فسألوه أن يستغيث لهم ويستسقي وألحوا عليه في ذلك فوعدهم ليوم ثالث من يومئذ ولما كان الغد أخرج ما عنده من الزرع وصيره صبرة في صحن جامع الأندلس ثم تصدق به وقال لهم الآن أبكي كبكاء المسلمين فاستسقى لهم فسقوا) (*)، وبعد وفاته تولى الخطابة بالمسجد تلميذه أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن حمامة الأوربي النيجي المعروف بالصغير، ذكر ابن غازي أنه لازمه كثيرا وقرأ عليه القرآن ثلاث ختمات آخرها للقراءات السبعة وذكر المنجور في فهرسته أنه ختم عليه القرآن بالقراءات السبعة ثلاثمائة طالب وتوفي سنة 887 هـ، وبعد وفاته تولى الخطابة أبو الحسن علي بن القاسم التجيبي الشهير بالزقاق صاحب النظم المعروف بالزقاقية توفى سنة 912 هـ.
وإذا تتبع الباحث هؤلاء الخطباء أيام بني مرين وبني وطاس فإنه سيجدهم من العلماء المبرزين ويكفيك دليلا على ذلك أن من بينهم راوية المغرب ومفتي فاس أبا محمد عبد الله بن أحمد العاصمي المعروف بسقين، لقد كان مشتهرا بعلمه في الشرق والمغرب، رحل إلى المشرق سنة 909 هـ وزار بلاد السودان وروى الحديث بمصر عن القلقشندي وزكرياء الأنصاري والسخاوي ورواه بمكة عن ابن فهد وكلهم عن الحافظ بن حجر لذلك اجتمع له من العلم بالحديث ما لم يتيسر لغيره من أهل فاس (*)، خطب بجامع الأندلس سنة 944 إلى أن توفي سنة 956 هـ، وهي السنة التي استولى فيها محمد الشيخ السعدي على فاس.
لقد رأى محمد الشيخ أن الدولة السابقة كانت تعتني بجامع الأندلس فاختار لها من العلماء والخطباء ذوي الكفاءة والفضل فسار على نهجهم، ولما وفد على فاس العالم التلمساني أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمان المغراوي قلده السلطان منصب الفتوى والتدريس وجعله خطيبا بمسجد الأندلس فاستمر به مدة ثماني سنوات تم انتقل بعد ذلك إلى الخطبة بجامع القرويين.
وسار السعديون على هذا النهج رغم اشتغالهم بالحروب ومحافظة الثغور ومعارضة التدخل الأجنبي، لأن اهتمامهم بالعلم كان من أسس سيرتهم خصوصا في أيام أحمد المنصور الذهبي الذي تولى الملك سنة 986 هـ بعد الانتصار العظيم الذي حصل عليه بوادي المخازن، وبعد القضاء على كل سعي يحاول الأجنبي القيام به لاحتلال البلاد من جديد.
وفي أيامه كان المتولي لخطابة الأندلس والتدريس به العالم الشهير يحيى بن محمد السراج الأندلسي وهو حفيد الشيخ يحيى السراج (*) صاحب ابن عباد، وكان ماهرا في علوم الفقه مدرسا يعرف المدونة ويدرسها توفى سنة 1007 هـ.
ورغم اعتناء السعديين بالدراسة في هذا المسجد وباختيار أحسن الخطباء له فهم لم يهتموا ببنايته ولم يصلحوه، لذلك وجده العلويون في حاجة إلى عنايتهم فقام المولى إسماعيل فخر الدولة العلوية ومحرر المهدية والعرائش من يد الاسبان وطنجة من يد الإنجليز
بتجديده وترصيفه، يقول ابن زيدان في كتاب "الدرر الفاخرة" حين تحدثه عن المولى إسماعيل: (وفي عام 1093 هـ جدد مسجد الأندلس ورصف صحنه بالزليج، يشهد بذلك ما هو منقوش في الخشب خارج قبة السقاية هناك ولفظه:
مولاي إسماعيل ألبسني البها فسحبت ذيلي فوق كل نفيس
زهوي ببيت الله حبي مفخرا إذ صرت أجلي فيه جلو عروس
فرفعت فوق السلسبيل سرادقا في عام (1093 يحمل شاهد) تأسيسي
وكان ابتداء العمل فيه عام تسعة وثمانين وألف هـ (*).
وفي عهد العلويين كانت الدراسة بالمساجد تعتبر ذات أهمية كبرى وكان العالم لا يبلغ إلى التدريس بها إلا إذا ظهرت مقدرته العلمية وكفاءته في التلقين، وكان الأستاذ قبل مهارته يلقي دروسه الأولية بالمدارس الموجودة في المدينة حتى إذا أنس من نفسه الكفاءة أو آنسها منه طلبته توجه إلى المسجد، وذلك ما وقع بالفعل لأبي العباس أحمد بن علي الوجاري المتوفى سنة 1141 هـ، فقد كان يدرس بالمدرسة الرشيدية برأس الشراطين، لكن الطلبة ألحوا عليه في الذهاب إلى مسجد الأندلس فلبى رغبتهم وأصبح أستاذ اللغة في هذا المسجد وأقبل الناس على دروسه، وتخرج عليه جل علماء فاس ومن ورد عليها، وكان يهتم بتحرير المشكلات اللغوية والنحوية وهكذا أصبح مسجد الأندلس يهتم بالدروس اللغوية كما كان يهتم من قبل بالدروس الفقهية.
وفي عهدهم تشجع العلماء على التدريس لأن الدولة كانت تضفي عليهم من العطايا ما يغنيهم عن التفكير في مشاكل العيش، وكانت تمكنهم من أجرة محددة تختلف باختلاف طبقاتهم وتستغل في ذلك مال الأوقاف، وقد نص على ذلك محمد بن عبد الله في منشور كتبه إلى سيدي التاودي بن سودة حين قال: (وكذلك الفقهاء الذين يقرؤون الأسطرلاب وعلم الحساب فيأخذون حظهم من الأحباس لما في ذلك من المنفعة العظيمة والفائدة الكبيرة لأوقات الصلاة والميراث) (*)
ولقد عمل المولى محمد بن عبد الله على توجيه العلماء إلى نبذ المختصرات والاقتصار على أمهات الكتب، قال الناصري: (ومن عجيب سيرته رحمه الله أنه كان يرى اشتغال طلبة العلم بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييعا للأعمار في غير طائل، وكان يشهر في ذلك غاية ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك)، ويفهم من هذا النص أن المولى محمد بن عبد الله قد منع ذلك منعا مطلقا مع أننا نراه في المنشور الذي كتبه سنة 1203 هـ إلى العلامة السيد التاودي بن سودة قد أباح تدريس مختصر خليل ببعض الشروط التي تبينه وتبعد عنه الغموض وتربط بين معانيه من غير أن تخل بالأصول العامة فقال: (ومن أراد تدريس مختصر خليل فإنما يدرسه بشرح بهرام الكبير والموافق والحطاب والشيخ علي الأجهوري والخرشي الكبير لا غير، فهذه الشروح الخمسة بها يدرس خليل مقصورا، وفيها كفاية، وما عداها من الشروح كلها ينبذ ولا يدرس به)، ولعل هذا القرار الأخير إنما كان اعتدالا من السلطان محمد بن عبد الله حتى لا يثير عليه بغض بعض الفقهاء، إلا أن الذي زاد اهتمامه بكيفية التدريس بالمساجد هو المولى عبد الرحمن بن هشام، فقد كان يؤسفه أن يرى العلماء يقتصرون في تدريسهم على مماحكات لفظية ويقضون
* الدرر الفاخرة بمآثر ملوك العلويين بفاس الزاهرة تآليف عبد الرحمن بن زيدان طبع سنة 1937 م صفحة 40 ـ 41.
* نفس المصدر صفحة 62.
* الاستقصاء للناصري طبعة دار الكتاب الجزء الثامن صفحة 67.