تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض وكان كعب بن زهير قد قال:

ألا أبلغا عني بجيراً رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا؟

فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا

على خلق لم ألف يوماً أباً له ... عليه وما تلفي عليه أباً لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إما عثرت: لعاً لكا

سقاك بها المأمون كأساً روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا

قال ابن هشام: ويروي المأمور. وقوله فبين لنا: عن غير ابن إسحاق.

وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر وحديثه:

من مبلغ عني بجيراً رسالة ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا

شربت مع المأمون كأساً روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا

وخالفت أسباب الهدى واتبعته ... على أي شيء ويب غيرك دلكا

على خلق لم تلف أماً ولا أباً ... عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إما عثرت: لعاً لكا

قال: وبعث بها إلى بجير فلما أتت يجيراً كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع سقاك بها المأمون: صدق وإنه لكذوب أنا المأمون. ولما سمع: " على خلق لم تلف أماً ولا أباً عليه " قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه.

ثم قال بجير لكعب:

من مبلغ كعباً فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلاً وهي أحزم

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجوا إذا كان النجاء وتسلم

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم

قال ابن إسحاق: وإنما يقول كعب: المأمون ويقال: المأمور في قول ابن هشام لقول قريش الذي كانت تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بداً قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه. فذكر لي أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك فإنه قد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه. قال فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكي قصر منها ولا طول

تهذيب سيرة ابن هشام · الصفحة ٣٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب سيرة ابن هشامص ٣٨٦