وأهم ما يعنينا إثباته هنا هو ما ألمعنا إليه في الفصل السابق من أن التشريع الإسلامي ليس ملكاً لطبقة معينة . ولا يملك أحد أن يشرع على مزاجه في الدولة الإسلامية ، لأن الشريعة السماوية المنزلة هي التي تحكم الجميع بلا محاباة لأحد ولا ظلم لأحد . ومن هنا ينتفي بتاتاً وجود طبقات في الإسلام ، لأن وجود الطبقات مرتبط ارتباطاً لا ينفصم بمزية التشريع . فإذا بطلت هذه المزية ، ولم يكن في وسع أحد أن يصنع لنفسه قانوناً يحمي به مصالحه على حساب شخص آخر ، فماذا بقي من نظام الطبقات ؟
* * *
وإذاً فما معنى الآيتين اللتين أثبتناهما في مقدمة هذا الفصل ؟
إنهما لا تزيدان على إثبات الأمر الواقع في كل الأرض ، في ظل الإسلام وفي غير الإسلام : أن الناس متفاوتون في المراتب والأرزاق . وإلا فلنأخذ روسيا مثلاً . هل جميع الناس يتناولون أجراً واحداً ، أم إن بعضهم مفضل على بعض في الرزق ؟ وهل جميعهم هناك رؤساء أم جميعهم مرؤوسون ؟ أو هل جميعهم ضباط أو جميعهم جنود ؟ أم إن بعضهم قد رفع درجات فوق بعض ؟ إن هذا أمر لا معدي عنه ، وهو حقيقة واقعة في كل مكان ، والآيتان لا تشرحان سبباً معيناً للتفضيل ، ولا تقيدان الناس كذلك بسبب معين . فهما لا تقولان إن التفضيل بسبب الرأسمالية أو بسبب الشيوعية أو بسبب الإسلام . ولا تقولان إن آثاره تكون دائماً عادلة بمقياس الأرض أو تكون ظالمة .. لا شيء من ذلك كله. إنهما فقط تقولان إن هذا هو الأمر الواقع في كل مكان . وكل ما على الأرض بطبيعة الحال داخل في إرادة الله . وإلا هل يعتقد الشيوعيون أن نفوذ الله – سبحانه - محدود بالعالم الإسلامي ، كما كان بنو إسرائيل يعتقدون في سذاجة غبية أن نفوذ الله محدود بمصر وفلسطين ، وأن ما يقع في بقية الأرض خارج عن نفوذ الله وإرادة الله ؟ !
* * *