والدعوة إلى الهجرة كانت لمناسبة خاصة وليست هي السبيل الوحيد لمواجهة الظلم . فللجماعات سبل أُخرى سيأتي بيانها . إنما نريد هنا أن نؤكد استفظاع الإسلام للرضى بالظلم ، إلى حد أن تكون عقوبته هي جهنم ، ولا ينجو منها إلا المستضعفون حقيقة ، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً . وذلك لكي لا يقعد عن الجهاد أحد يملك ذرة من القدرة على الجهاد .
أما المستضعفون حقيقة فليسوا متروكين لأمرهم ، يحتملون الظلم بلا نصير . فالأُمة الإسلامية كلها مدعوة للجهد في سبيلهم ودفع العدوان عنهم : " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها (1) " .
فالظلم لا يقع على طائفة من الناس أو على كثرتهم ثم يسكتون عنه فيرضى الله عنهم ولن يرضى الله عنهم حتى يكافحوا الظلم ويردوه عن المظلومين .
وربما ظن البعض أن هذه الآيات خاصة بالعقيدة فحسب ، أي بوجود مسلمين في وسط مشركين يجبرونهم على الشرك بالله وعدم القيام بشعائر العبادة الإسلامية .
ولكن الإسلام لا يفرق بين شعائر العبادة وبين تنفيذ النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتفرعة عن هذه العقيدة . ولا يفرق بين أن يكون الذين يمنعون تنفيذها كفاراً بالاسم والفعل . أو مسلمين بالاسم وكفاراً في واقع الأمر : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " (2) .
(1) سورة النساء [75] .
(2) سورة المائدة [44] .