تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تحسبيني ملْتُ عنك مع الهوى ... تالله ما ترك الوفاء بعاد(1)

قد كدتُ أقضي حسرةً لو لم أكن ... متوقعا لقياك يوم معادي

فعليك من قلبي التحية كلما ... ناحت مُطَوَّقَةُ(2) على الأعواد(3)

وهذه مرثية قالها العلامة الأديب الشيخ محمد الخضر حسين× في رثاء زوجته السيدة زينب التي توفيت في القاهرة 1372هـ، وكانت بارة صالحة, فقال فيها قصيدة بيَّن فيها لوعته على فراقها , وذكر ما كان لها من ود في قلبه , وما كانت عليه من خلق ودين ووفاء , قال× وكان عمره آنذاك تسعاً وسبعين سنة:

أعاذل غُضَّ الطرفَ عن جفني الباكي ... فخطبُ رمى الأكبادَ مني بأشواك

ولي جارة(4) أودى بها سقمُ إلى ... نوى دون منآها المحيط بأفلاك

أيا جارتا عهدا للقاء قد انقضى ... وصمتكُك إذ أدعوك آخر ملقاك

أجارة هذا طائر الموت حائمٌ ... ليَذْهبَ من زهر الحياة بمجناك

وكيف يروم الصحب مني تصَبُّراً ... ومركبةٌ حدباءُ(5) أرْسَتْ بميناك

وكنت ألاقي كلما جئتُ مُئنساً ... فمالي ألاقي اليوم صيحةَ مَنْعاك

حنانيك هل ساءتك مني خليقةٌ ... فأنكرتِ دنيانا وآثرت أخراك

وكنت أعَزِّي النفسَ من قبلُ إنني ... أفوت قرير المقتلين بمَحياك

ولم أدر ما طعمُ المنون فَذُقْتُهُ ... مساءَ لفظتِ الروحَ والعينُ ترعاك

هوى بك بينٌ لستُ أرجو وراءه ... زماناً يجود الدهر فيه بمرآك

فهيهات أن أنساك ما عشت والأسى ... يموج بقلبي ما جَرَتْ فيه ذكراك

وهيهات لا أنسى مواطنَ كنت لي ... مُسَلِّيةً لا أُنْس إلا بمغناك

ولولاك لم أقض اليراعةَ حقَّها ... كأن نسيجَ الفكر حِيْكَ بيُمناك

(1) بعاد: يعني بعادتي.

(2) المطوقة: الحمامة ذات الطوق وهي التي في عنقها ريش يخالف لونه باقي جسمها يشبه الطوق.

(3) ديوان محمد سامي باشا البارودي ص145_152.

(4) الجارة يعني بها زوجته، والعرب تسمي الزوجة جارة.

(5) المركبة الحدباء: النعش.

رسائل في الزواج والحياة الزوجية · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل في الزواج والحياة الزوجيةص ١٥٦