تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الطلاق في الإسلام لَمِنْ أعظم الأدلة على أن هذا الدين من لدن حكيم عليم؛ فالله _عز وجل_ إنما شرع الطلاق لحكمة بالغة، ومصلحة راجحة ظاهرة؛ فلماذا نمنعه إذا تحققت دواعيه وتوافرت أسبابه؛ فيكون ذلك المنع سبباً في عذاب شخصين وشقائهما؟.

فلماذا هذا العذاب؟ ولمصلحة مَنْ ذلك الشقاء؟ وإلى متى يظل البيت جحيماً ملهباً كلما خبت ناره زادها الخلاف سعيراً؟.

إن الزواج نعمة عظمى، وقد امتن الله به على عباده في غير ما موضع من كتابه؛ فالزواج عقد بين قلبين، ومزج بين روحين، وفي الأخير تقريب بين جسمين؛ فإذا تراخت عراه بين القلبين ذهب السكون والمودة والرحمة.

ومممن هنا يُسعى في محاولة الجمع، والإصلاح، ورأب الصدع.

فإذا زاغت الفطرة من أحد الزوجين عن محورها، أو طغت الغرائز الحيوانية على الفضائل الإنسانية في أحدهما أو كليهما، وباءت محاولات الإصلاح بالإخفاق _فالله أرحم من أن يكلف عباده تحمل هذا النوع من العذاب النفسي، وهذا الجمع بين قلبين لم يأتلفا، وطبعين لم يتَّحدا، وروحين تناكرا، ولم يتعارفا.

لذلك شرع لهما الطلاق؛ ليستريح من ضاق ذرعاً بصاحبه ضيقاً معقولاً بدواعيه وأسبابه.

قال الأصمعي×: =كنت أختلف إلى أعرابي أقتبس منه الغريب، فكنت إذا استأذنت عليه يقول: يا أمامة إيذني له، فتقول: أدخل.

فاستأذنت عليه مراراً فلم أسمعه يذكر أمامة، فقلت: يرحمك الله ما أسمعك تذكر أمامة؟

قال: فوجم وجمة (1) ندمتُ على ما كان مني، ثم أنشأ يقول:

ظعنت أمامة بالطلاقِ ... ونجوت من غُلِّ الوَثاقِ

بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبكِ المآقي

ودواء ما لا تشتهيـ ... ـه النفس تعجيل الفراقِ

والعيش ليس يطيب من ... إلْفَينِ من غير اتفاقِ (2)

(1) وجمة وجوماً: اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام.

(2) العقد الفريد لابن عبدربه 6/ 120_121.

رسائل في الزواج والحياة الزوجية · الصفحة ١٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل في الزواج والحياة الزوجيةص ١٤٥