تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن الجوزي×في تفسير تلك الآية: =وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبَّهت على معنيين:

أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محبوباً، ومحمود عاد مذموماً.

والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره، لما يحب+ (1).

ولهذا كم من رجل كره امرأة، فأمسك عليها، فأنجبت له أولاداً أبراراً قاموا بنفعه، ونشر فخره وذكره.

وكم من رجل فُتن بامرأة غَدَتْ بلبِّه، وأفسدت عليه دينه ودنياه وأهله.

إضافة إلى ذلك فالمؤمنة ـ كما مر ـ لا تُكره من جميع الوجوه، فإن وجد فيها الزوج خلقاً يُكره وجد فيها خلقاً مرضياً.

قال النبي":=لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر+ (2).

ثم أن الحياة تقوم على أسس متعددة، وربما كان الحب ـ في نظر الكثير من الناس ـ أهمها أو أنه وحده الذي تقوم عليه الحياة.

والحقيقة أن الحب له أثر ودوره، ولكن الحياة لا تقوم عليه وحده؛ فهناك التَّذَمُّم، والرعاية، والتودد، والتحمل، والخُلُق، والاحتساب، والوفاء، وغيرها من المعاني الجميلة.

ولهذا كان الكرام يقضون هذه الحقوق، ويرعونها حق رعايتها.

قال ابن الجوزي×: =قيل لأ بي عثمان النيسابوري: ما أرجى عملك عندك؟ قال: كنت في صبوتي يجتهد أهلي في تزويجي فآبى، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان! إني قد هَوِيتُك، وأنا أسألك بالله أن تتزوجني.

فأحضرت أباها _ وكان فقيراً _ فزوَّجني وفرح بذلك.

فلما دَخَلَتْ إليَّ رأيتها عوراءَ، عرجاءَ، مشوهةً، وكانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج؛ فأقعد حفظاً لقلبها، ولا أظهر لها من البغض شيئاً وكأني على جمر الغضا من بغضها.

فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت؛ فما منْ عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي قَلْبَها+ (3).

(1) زاد المسير لابن الجوزي 2/ 42.

(2) رواه مسلم (1469).

(3) صيد الخاطر ص 635_636.

رسائل في الزواج والحياة الزوجية · الصفحة ١٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل في الزواج والحياة الزوجيةص ١٤٠