وهناك من يستضيف صحبه في منزله كل ليلة، فيثقل كاهل زوجته بما تعده للضيوف من أنواع المآكل والمشارب، وربما طال وقت الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل، وربما كانت الجلسة على لهو أو باطل، فإذا خرج الضيوف آوى الزوج إلى فراشه؛ وترك زوجته تغسل الأواني، فلا تكاد تنتهي إلا قرب الفجر دون أن تسمع منه كلمة شكر، أو ترى منه ابتسامة رضاً.
إن هذا الإنسان قد يكسب ودَّ أصدقائه، وقد يكسب سمعة اجتماعية واسعة، ولكنه يُعَرِّض نفسه لخسران السعادة المنزلية، وأي سعادة تفوق سعادة الإنسان في منزله، وأي شقاوة تعدل شقاوة الإنسان مع أهله (1).
كما أن هناك من يشتغل كثيراً عن زوجته بأمور محمودة، فتراه في عبادة وذكر، أو دعوة، أو نصح، أو أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، أو قراءة، أو كتابة، أو تأليف، أو نحو ذلك من الأمور المحمودة.
ولكن بعض أولئك يفتقدون التوازن، حيث يهمل واحدهم زوجته تماماً.
وفقدان القدرة على الموازنة يورث خللاً، واضطراباً في الحياة الداخلية للفرد في حياته، ومع زوجته وأولاده.
إن الحزم وحسن التدبير يبدوان في المقدرة على الموازنة بين الحقوق والواجبات التي قد تتعارض؛ فيستبين الحزم، وحسن التدبير في أداء الحق لكل ذي حق دون إلحاق جور في أحد من أصحاب الحقوق.
إن الاشتغال عن الأهل تفريط عظيم، وظلم بَيِّن؛ إذ كيف يسوغ للإنسان أن يشتغل طيلة وقته خارج منزله، فيترك شريكة عمره نهباً للوساوس والخطرات، والوحشة، والأزمات، أو يتركها للانغماس والدخول في مجامع لا تحمد سيرتها (2).
ولا يفهم من ذلك أن يعيش الزوج حبيس منزله لا يتعداه، فيعيش مؤثراً للعزلة، قابضاً يده عن التعاون مع بني جنسه، قاطعاً علاقاته بالناس، تاركاً الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والسعي في طلب الرزق.
(1) انظر أخلاقنا الاجتماعية ص 22.
(2) انظر نظرات في الأسرة المسلمة ص 92_93.