تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالإنسان ذو الحس المتبلد قد يرى الماء النازل من السماء فلا يتذكر أن هذا المطر هو الذي يتحول إلى عيون وينابيع وآبار وأنهار يشرب منها . أو هو من الجانب الآخر قد يشرب الماء الذي يجده أمامه ميسراً ، وينسى أن هذا الماء لم يوجد في الأرض من تلقاء نفسه ، بل أنزله الله له في صورة مطر ، لا ينزل إلا بقدرة الله ، وبحسب القوانين والسنن التي أودعها الله في الكون ، فأجرى بها السحاب وأنزل منه الماء . فالنص القرآني يوقظه إلى هاتين الحقيقتين في آن واحد : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ) ، كما يلفته أيضاً إلى الشجر النابت من هذا الماء ، فلا يعود المطر النازل من السماء ظاهرة مكرورة مألوفة منقطعة في حسه عن الله الذي أنزله من السماء ، إنما تصبح موصولة بقدرة الله ، فتحيا في النفس وتؤثر فيها ، بربطها بالله المنعم الوهاب .

ويستمر السياق يعرض أنواعاً من النبات الذي أشارت إليه الآية السابقة ، فيذكر الزرع بعمومه ، والزيتون والنخيل والأعناب ، ( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) .

وهذه الطريقة في ذكر بعض الأنواع بالتفصيل والإشارة العامة إلى بقيتها تجعل الخيال يتحرك لتقصي ما لم يذكر بتفصيله بعد أن تتبع المذكور منه بالفعل ! وهكذا يشترك الخيال مع الوجدان في تصور المشهد ، ويعطي له حيوية جديدة فلا يعود هو المشهد المكرور المألوف الذي تبلد عليه الحس !

ثم يشير السياق إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . وكلها مشاهد مألوفة مما يتبلد عليه الحس بالتكرار ، ولكن السياق يذكر أمراً جديداً يغير وضعها في النفس ، ويجعلها كأنها تعرض لأول مرة ، ذلك هو قوله تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ) .

ركائز الإيمان · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الإيمانص ٢١