إذا كانت الجاهلية الأوربية قد صنعت ذلك فإن الإسلام – دين الفطرة – لا يعرف هذه التفرقة ولا يقرها .. فالله يقول للناس : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) [ الأعراف : 31 ] .
ويقول : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [ الأعراف : 32 ] .
ويقول : ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [ هود : 61 ] .
ويقول : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) [ القصص : 77 ] .
ويقول : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) [ الملك : 15 ] .
لذلك قامت الحركة الحضارية الإسلامية في ظل العقيدة بلا صراع بينهما ولا عداء ، وكانت بذلك فريدة في التاريخ . حركة تعمِّر الأرض ، وتجوب الآفاق وتكشف مجاهيل الأرض ، وتستثمر خيراتها بالفلاحة والصناعة والتجارة ، وهي في كل هذا عابدة لله ، تنشر النور الرباني في الأرض بنشر العقيدة الإسلامية ، وتقيم العدل الرباني بين الناس بتطبيق شريعة الله .
ليس في أصول هذا الدين ولا في تاريخه شيء واحد مما حدث في أوربا وانتهى هناك بالإلحاد والبعد عن طريق الله . إنما يقوم الإسلام ابتداء على ربط القلب البشري بالله ، وتوثيق هذه الرابطة في كل عمل أو فكر أو شعور : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ) [ الأنعام : 162 ، 163 ] .