ولقد كانت هذه الجاهلية تبهر الناس وتخدعهم بالتقدم العلمي والمادي الهائل الذي حصلته . ولكنها تكشفت - حتى لأصحابها - عن تمزق نفسي لا مثيل له في التاريخ ، يتمثل في التزايد المستمر لحالات القلق والجنون والاضطراب العصبي والنفسي والانتحار والإغراق في المسكرات والمخدرات !
وأخيراً تصايح الشباب هناك بأنه يحسّ بالضياع ، ولا يجد لحياته معنى ، ولا يجد نفسه في اتجاه يكسبها الاستقرار والطمأنينة !
وتلك هي الحصيلة الأخيرة للشرك ، مهما بدا من مظاهر التقدم المادي والعلمي ، لأن النفس الممزقة بين الأرباب المختلفة لا يمكن أن تجد الطمأنينة أو تحس بالاستقرار .
ومن نتائجه إحباط العمل :
( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ الزمر : 65 ] .
والحبوط مأخوذ من " حبطت الناقة " إذا انتفخ بطنها وماتت نتيجة تناولها طعاماً سامّا ، ويراد به ضياع نتيجة العمل وانقلابه بالوبال على صاحبه .
والله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أوحى إليك كما أوحى إلى النبيين من قبلك أن الشرك يحبط العمل ويفسده ، ويئول في النهاية إلى الخسران ، الخسران الأكبر في الآخرة بدخول النار والعياذ بالله .
ولكنه لا يقتصر على الدار الآخرة ، فنحن نرى آثار ذلك الخسران في الحياة الدنيا بداية واضحة في الجاهلية المعاصرة ، كما أشرنا في الفقرة السابقة .
إن الناس في الجاهلية المعاصرة قد انتفخوا من كثرة ما أعطاهم الله استدراجاً عن طريق التقدم العلمي من سيارات وثلاجات وطائرات وصواريخ وقنابل ذرية ونووية وأموال وخيرات من كل الأنواع .
انتفخوا بكل ذلك حتى وصلت بهم " النفخة " إلى الاستكبار على الله ، يقول الله عن أمثالهم : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) [ غافر : 83 ] .