وأيّا كانت أنواع الشرك ، وهو لا يخرج في جميع أحواله عن أن يكون شركاً أكبر ينفي الإسلام بالكلية ، أو شركاً أصغر يبطل العمل الذي صاحبه ، أو شركاً خفيّا هو من أكبر الكبائر ، فإنه أمر باطل في حكم الله ، كما أنه قبيح مستنكر في حكم العقل . فأيما إنسان سليم العقل مستقيم التفكير لا يمكن أن يتقبل الشرك بالله في أية صورة من صوره . ولذلك يندد الله بالمشركين في كثير من المواضع بقوله تعالى : ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) لأن مقتضى العقل أن يتوصل الإنسان إلى حقيقة التوحيد ، ويصل بها إلى درجة اليقين . فهذا هو الكون مفتوحاً أمام الحس البشري ، هل فيه شيء واحد ينبئ بأن يداً غير يد الله قد تدخلت في خلقه أو في تدبيره ؟ وهل يمكن أن ينتظم سير الكون هذا الانتظام الدقيق لو كانت فيه إرادتان مختلفتان أو صنعتان مختلفتان ؟! : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) [ الملك : 1 – 4 ] .
إن النظر في أي شيء من خلق الله ، كبير أو صغير ، لينتهي بالعقل إلى نتيجة واحدة ، هي التوحيد .
والقرآن يشير إلى تلك الحقيقة في مواضع شتى ، ويضرب للناس الأمثال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) [ الحج : 73 ] .