وإذا كان الإنسان يشترك في النزعة الأولى مع بعض المخلوقات الأخرى ، فقد خصَّه الله بالنزعة لثانية – وهي الإيمان بالغيب – وكرَّمه بها ، وفضَّله بها عن كثير ممن خلق . وكانت هذه الموهبة الربانية من عوامل رفعة الإنسان واتساع أفقه وعظمة روحه ، وانفساح المجال أمامه وراء المحسوسات القريبة إلى آفاق التفكير والتدبّر في الكون كله لينتفع به ويستدل به على عظمة خالقه ومبدعه .
ولكن فطرة الإنسان عرضة للمرض كما قلنا ، إذا لم يداوم على رعايتها وتقديم الغذاء الصلح لها ، من ذكر لله وتقرب إليه بالأعمال الصالحات ، وعندئذ يرين على القلوب ما يرين عليها من ظلمات : ( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ المطففين : 14 ] .
ومن الأمراض التي تصيب فطرة الإنسان أن تغفل عن غير المحسوس ، وتحصر اهتمامها رويداً رويداً في دائرة المحسوس وحده ، ثم تمتد بها الغفلة حتى تستغني تماماً بعالم الحس عما وراءه ، بل تمتد بها الغفلة أحياناً أكثر من ذلك فتنكر ما وراء الحس إنكاراً كاملاً وتزعم أنه غير موجود (1) .
(1) سنرى فيما بعد أن هذا المرض الأخير هو أوسع أبواب الإلحاد الذي شمل جانباً كبيراً من البشرية في العصر الحاضر .