2- ... عدم اقتفاء أيّ فكرة قبل تمحيصها وعرضها على البرهان والمنطق ، لأن الإنسان مسئول عن تفكيره واعتقاده ، لأن الله أعطاه سمعاً وبصراً وعقلاً ليفكر لنفسه ويتدبر ، ويوم القيامة سيسأل سمعه وبصره وعقله : كيف اقتفى شيئاً دون أن يعرف حقيقته ؟
3- ... التدبر في كل الأمور بالمنطق العقلي ، وعدم اتخاذ المواقف بدافع الهوى لأن الهوى يعمي الإنسان عن الحق .
فإذا اتبع الإنسان هذا المنهج ، فألقى عنه موروثاته التي لا تقوم على دليل ، وكف عن التقليد الأعمى ، ورفض أن يتبع شيئاً يُعرض عليه إلا ببرهان ، ثم راح يفكر بالمنطق بعيداً عن الهوى فإنه لا بد واصل بإذن الله إلى الحق .
وقد تميزت هذه الدعوة بمنهجها الفكري هذا عن سائر الرسالات قبلها ، حيث كانت المعجزات الحسية هي الدليل على صدق الرسول المرسل من عند الله ، وكانت وسيلة الناس إلى التصديق هي مشاهدة المعجزة أو السماع بها .
أما هذه الدعوة التي أراد الله لها أن تبقى حتى يَرِثَ الله الأرض ومن عليها ، فقد جعلها - سبحانه وتعالى - موجهة إلى العقل ، لتخاطب أجيال البشرية كلها منذ نزولها إلى آخر الزمان ، لا عن طريق شيء حسي يراه جيل بعينه ، ولكن عن طريق أداة دائمة في تركيب الإنسان وهي العقل . والعقل مصاحب للإنسان في كل أجياله وفي أي مكان يكون فيه . ومن ثم تخاطبه هذه الرسالة وتدعوه إلى التصديق بها عن طريق هذه الأداة الكامنة في تركيبه ، فلا يجد مفراً - لو أخلص في استخدام عقله - من التسليم بما فيها من حق .
والقرآن لا يطالب الناس بالتسليم الأعمى بشيء على الإطلاق ، بل يطالبهم بالتدبر والتفكر في كل القضايا - حتى قضية الألوهية الواجبة التسليم - لكي يسلِّموا عن اقتناع ، فيبقى التسليم راسخاً لا يهتز ولا يتقلقل .
قضية الألوهية ، قضية الرسالة ، قضية الوحي ، قضية البعث - وهي كلها من أركان الإيمان الأساسية - لم يطلب القرآن التسليم بها بلا دليل ! إنما قال للناس : فكروا وتدبروا ثم اسألوا أنفسكم بعد التفكر والتدبر ، أإلهٌ مع الله ؟! أيعجز الله عن إرسال الرسل وتنزيل