وإذا كان اليهود والنصارى - خلال التاريخ - قد طمسوا تلك الإشارات الواضحة ، فإنهم لم يستطيعوا محوها محواً كاملاً ! وقد أشرنا من قبل إلى نسخة التوراة القديمة التي عثر عليها في دير سانت كاترين بسيناء عام 1365 هـ - 1945 م ، وفيها ذكر صريح للرسول صلى الله عليه وسلم ثم اختفت بعد ذلك ولم يعد يرد لها ذكر !
وكان اليهود في المدينة - قبيل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم - يقولون للأوس والخزرج : لقد أظل زمان نبيّ ! وسوف نقاتلكم به ونغلبكم . وإلى هذا تشير الآية القرآنية : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 89 ] .
وهم حين كانوا يقولون ذلك للأوس والخزرج لم يكونوا يرجمون بالغيب ، وإنما كانوا يشيرون إلى ما هو مكتوب عندهم في التوراة . مما يدل على أن نسخ التوراة القديمة لم تذكر الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه وصفته فحسب ، بل أشارت كذلك إلى مكان بعثته وإلى زمانها التقريبي ، مما جعل اليهود يتوقعون قرب البعثة المحمدية . بل إن النص الذي أوردناه من التوراة آنفاً ليدل على أنهم كانوا يعرفون مكان بعثته ومكان هجرته كذلك ، وذلك على الرغم مما ألقى على النص من الغموض !
أما النصارى فقد بدَّلوا في الإنجيل لما دونوه بعد مدة من رفع عيسى عليه السلام ، ثم ظلوا كلما ترجموه من لغة إلى لغة يزيدون الإشارات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غموضاً ، ومع ذلك فما تزال هذه الإشارة باقية في أناجيلهم على لسان عيسى عليه السلام وهي : " سيأتي من بعدي الفاراقليط " وفي بعض النسخ يضاف إلى هذه العبارة " من لا أستحق أن أحلّ سيور حذائه "
ويأتى وصفه : ((يملأ الأرض نوراً وعدلاً) (1) وفي بعض النسخ : " يوبخ العالم على خطيئته ، ويعلم الناس جميع الحق ، لأنه ليس ينطق من عنده ، بل يتكلم بكل ما يسمع من عند الله " ، ومعنى ذلك أنه رسول موحى إليه من عند الله . وقد مر على ذلك قرابة
(1) يعنى : هو أعظم منى بكثير، إلى درجة أننى لا استحق أن أحل سيور حذائه. وذلك من تواضع عيسى عليه السلام 0