وبعد أن أيقظ تفكيرهم بهذه الأسئلة التي لا إجابة لها عندهم إلا أنهم وجدوا آباءهم كذلك يفعلون ، راح يتظاهر أمامهم بأنه يبحث عن إله يعبده بعد أن أعلن رفضه الباتّ لعبادة الأصنام ( وهو في حقيقة الأمر مهتد إلى الله الحق ، ولكنه يريد أن يتدرج بقومه عباد الأصنام درجة درجة حتى يصل بهم إلى اليقين ) فلما جن عليه الليل ، رأى في السماء كوكباً لامعاً ، فقال أمام قومه : سأتخذ هذا الكوكب اللامع إلها ! فلما أفل أعلن لقومه أنه لا يعبد إلهاً يأفل ويغيب ! ( قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ) فلما رأى القمر بازغاً قال ( متظاهراً ) هذا أجدر أن يكون إلهاً ، فنوره أقوى من نور الكوكب ، ولكن القمر بدوره أفل ! فتظاهر بالحيرة : ( لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) . وأخيراً طلعت الشمس بضيائها الساطع وحرارتها وقوة شعاعها فتظاهر بالفرح الشديد لعثوره أخيراً على الإله المنشود ! ( قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ ) فلما أفلت الشمس أعلن أخيراً إعراضه عن كل تلك الآلهة الزائفة التي لا تستحق العبادة ، وتوجهه للإله الحق ، الذي فطر السماوات والأرض ، على استقامة لا رجوع فيها ولا انحراف عنها ( وهذا معنى " حنيفاً " ) وأعلن براءته التامة من كل شرك في عبادة الله .
ونستطيع أن نتصور بطبيعة الحال استنكار قومه لموقفه ومحاجّتهم إياه ، وإن كانوا لا يملكون حجة حقيقية أكثر من أنهم يفعلون كما فعل آباؤهم فحسب ، وأن آباءهم لا يمكن أن يكونوا مخطئين خلال كل تلك الأجيال !
ولكنه يصر على موقف الهدى الذي هداه الله إليه ، وعلى عبادة الله الواحد الذي هداه إلى حقيقة الإيمان . عندئذ يلجئون إلى تخويفه بانتقام الآلهة من تجديفه في حقها وكفره بها ، ويتوعدونه بأن هذه الآلهة المزعومة ستناله بالأذى لا محالة . وعندئذ يردّ عليهم في اطمئنان الواثق : ( وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ ) ولكنه في أدبه مع ربه لا يقطع بأمر هو بعد في طيات الغيب ، فقد يكون الله سبحانه وتعالى قد قدر له أن يصيبه شيء من الأذى فيقول : ( وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) ثم يعود إليهم فيجابههم بحقيقة موقفهم : كيف تخوّفونني بتلك الآلهة المزعومة التي تشركون بها ، وهي عديمة السلطان لا تملك ضراً ولا نفعاً ، ولا تخافون أنتم من الله الحق الذي يملك الضر