يصوغ نفوسهم الصياغة التي تؤهلهم لحمل الحق الذي الذي يبلغونه للناس " أَدَّبَني رَبِّي فأَحسَنَ تأديبي " (1) . فليس فيهم النقائص ونقط الضعف التي تعتري الزعماء والمصلحين من البشر العاديين ، والتي لم ينج منها زعيم واحد ولا قائد ولا مصلح خلال التاريخ البشري كله . إنما يبعثهم الله أنقياء أتقياء ، طاهرين مطهرين ، فيكونون هم النموذج الذي يحتذى ، ولا تقع الفرقة - كما تقع دائماً في حياة المفكرين والمصلحين - بين ما يفعلونه وما يدعون إليه .
9- والأنبياء ليسوا كالفلاسفة الذين يقدمون الأفكار وهم محتجبون عن الناس في أبراجهم العاجية . إنما هم يختلطون بالناس ويدعونهم دعوة مباشرة إلى الأفكار والمبادئ والقيم التي يحملونها . وأهم من ذلك أنهم يربون أتباعهم عليها . وذلك هو الجهد الحقيقي الذي يبذله الأنبياء ويؤتي ثماره في واقع الأرض . إن الأفكار التي يحملونها لا تظل مُثُلاً معلقة في الفضاء ، إنما تتحول إلى واقع حي من خلال أشخاصهم أولاً ، ثم من خلال هذا الفريق من البشر الذين يربونهم . ومن ثم يصبح الأمر الذي يدعى الناس إليه واقعاً مشهوداً يعرف الناس صورته الواقعية ، فيقبلون عليه حين يرون ثماره الجميلة متمثلة في واقع بشري يرونه أمام أعينهم .
10- ثم إن الوسيلة الحقيقية العظمى التي يسلكها الأنبياء في إصلاح الحياة البشرية وتقويمها هي ربط القلب البشري بالله ، يتطلع إليه ويخشاه . وتلك أفضل الوسائل في الإصلاح وأبعدها أثراً في واقع الحياة . وذلك قبل اللجوء إلى الوسائل الأخرى كلّها التي تستخدم عادةً في تنظيم الحياة البشرية . ومن أجل ذلك يكون بناؤهم راسخاً شديد الرسوخ لأنه يعتمد على عنصر أصيل عميق في داخل النفس . بينما لا تملك النظم الأخرى كلها - التي تقوم على مناهج البشر - إلا أن تغري الناس بالمنافع والمصالح أو ترغمهم بقبضة السلطان . ومن ثم تنهار تلك النظم بمجرد أن تنتهي المنافع والمصالح أو
(1) - أخرجه ابن السمعانى فى أدب الإملاء (ص1- طبعة العلمية) ، وابن الجوزى فى العلل (1/178 ، رقم 284) ، وقال : لا يصح ، وفيه مجهولون وضعفاء . والحديث ذكره السخاوى فى المقاصد (ص 39 ، رقم 45) وضعفه ، وكذا العجلونى (ص72 ، رقم 164) .