) [ الصافات : 114 ] .( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ آل عمران : 164 ] .
والنبوة والرسالة اصطفاء خالص من عند الله يختص به من يشاء من عباده ، وليست شيئاً يكتسبه العباد من ذات أنفسهم بعمل يعملونه من جانبهم .
وكل ما يقع للبشر في حياتهم هو من عند الله . وكل موهبة توهب لهم في ذات أنفسهم أو فيما بين أيديهم هي من عند الله . ولكن الله قدَّر أن يكون للإنسان جانب من الكسب في كل ذلك . فقد أعطى الإنسان القدرة على المعرفة ووهب له ذكاء يتفاوت من شخص إلى شخص ، ومنحه طاقات مختلفة ، ثم كلّفه أن يعمل ، وأن يبذل جهداً معيناً لتحصيل المعرفة ، واستخدام الذكاء في عمارة الأرض وغيرها من شئون الحياة :
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) [ الملك : 15 ] .
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [ هود : 61 ] .
( عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) [ العلق : 4 ، 5 ] .
( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [ النحل : 78 ] .
ويستطيع الإنسان بتحصيله الشخصي أن ينمي ما وهب الله له من مواهب . فيستطيع مثلاً أن ينمي قوته الجسدية بالرياضة البدنية والتدريب فيصبح قوي الجسم ، متين العضلات . ويستطيع أن ينمي قوته الذهنية بالتدريبات العقلية وتعلم العلم وإمعان الفكر ، فيستنبط ويكتشف ويخترع ويدبِّر ويخطط . ويستطيع أن ينمي قوته الروحية بالامتناع عن بعض لذائذ الحس ، وبالتأمل ، وبإبعاد النفس شيئاً من الوقت عن عالم الحس القريب بصورة من الصور ، فتصفو روحه ، ويكتسب طاقة روحية كبيرة .
كل هذه الأعمال هي في أصلها موهبة من الله ، وهي فيما تنتهي إليه كسب يكسبه البشر بجهد يبذلونه وتحصيل يكدون فيه ويكدحون .