ورجموا المفكر، والفيلسوف روجيه جارودي بحجارة الحقد، ورموه بكل أنواع السباب، والشتائم، والصقوا به أوسخ التهم، ووقفوا إلى جانب أولئك الذين حكموا عليه، وقادوه إلى السجن، وهو في التسعين من عمره، لمجرد أنه تساءل عن صحة رقم محرقة «الهولوكوست»، مستنداً إلى وثائق، وكتب، وجرائد، ومجلات رسمية، وإحصائيات موثقة، إبان الحرب الثانية، تشير إلى أن عدد اليهود في أوروبا كلها كان لا يتجاوز الثلاثة ملايين.. فكيف يكون عدد المحروقين ستة ملايين..؟
بل لقد «زغرد» أحدهم لفرنسا في زاويته «المتصهينة»، لأنها منعت المرحوم المفكر المسلم أحمد ديدات من دخولها.. كل هؤلاء لم يحركوا بنت شفة عندما شتم رئيس وزراء إيطاليا الإسلام، ودعا إلى حرب صليبية تنور المسلمين.. بينما لم يندد أحد من أولئك بمذابح شارون، ولا بقتل محمد الدرة، والشيخ أحمد ياسين، ولا الرنتيسي، أو ياسر عرفات.. لم يكتب من أولئك واحد مندداً بالمعتقلات الأمريكية في غوانتانامو، ولا في أوروبا، أو أبو غريب..
لم يستنكر واحد منهم عملية حرق ومحو الثقافة العربية، وتدميرها، بكراهية، وحقد، على يد الجيش الأمريكي في بغداد. ورأيناهم في بداية غزو العراق، يجادلون بصفاقة حول استحالة سقوط طائرة «أباتشي» أمريكية برصاصة بندقية «بيرنو» قديمة، أطلقها فلاح عراقي!! أو يتندرون في مقالات طويلة، عريضة، على كلمة «علوج»، التي استعملها الصحاف، بينما بغداد تعتلجها الطائرات، والقنابل الجهنمية الملعونة، وكانوا بذلك يمارسون اتفه أنواع السفاهة، واحتقار عقل المثقف العربي وكرامته. بل نجد أنهم أمام تلك المشاهد، والجرائم البشعة، يدعون إلى الحوار مع الآخر، والتسامح، ونبذ العنف - المقاومة -، بينما تاريخ الغرب يشهد أنه ما كان متسامحاً معنا ولو للحظة واحدة. فمنذ ما يقارب المائتي عام - إذا تجاوزنا محاكم التفتيش، والحروب الصليبية - وأرضنا، وشعوبنا، لم تنج يوماً واحداً من احتلال، أو ذبح، ويكفي أن بلداً عربياً واحداً أبيد من شعبه قرابة المليون ونصف المليون، في سبيل تحرير نفسه. ولا تزال طائرات الغرب، ودباباته، تصب حممها، ونيرانها على أطفالنا، وبيوتنا في العراق، وفلسطين، في الوقت الذي لا تزال طائرات الغرب، وسفنه، وسياراته، وقطاراته، ومكائن كهربائه، ومدافئ بيوته، تعمل بالنفط العربي..
أعتقد أنه طفح الكيل، وآن الأوان، لكي نواجه هذه الطغمة البذيئة التي تقف جنباً إلى جنب، مع أعداء هذه الأمة، كخصم لدود لطموحاتنا، وبناء أنفسنا، واستقلالنا، بل نراها تتطاول مع المتطاولين على لغتنا، وقوميتنا، وهويتنا، وديننا..! كل ذلك إرضاءً لنزوة العشق، والمظهر الشكلاني للثقافة الأمريكية، الإمبريالية، الشوفينية، ذات البعد الواحد..
ويح هذه الأمة ألف مرة، ليس من أعدائها ولكن من أبنائها أو ممن ينتمون إلى ثقافتها وينسبون إلى جلدتها..!!
? وبعد: فلا بد لكل قارئ شريف، ومثقف شريف، أن يعي خطرهم، وأن يقف متوجساً، ومرتاباً، وحذراً، أمام كل طروحاتهم المغلة، الكارهة.. فوالله إنه ليشفي صدورهم، أن تتحطم هذه الأمة، وتحترق هذه الأوطان، وتنهدّ على رؤوس أهلها، حكاماً، وشعوباً..! فهل نحن متنبهون..؟!
====================