ولا يكفي فيه معرفة الدلالات الوضعية على الاطلاق بل لا بد من معرفة امور اخرى تتوقف عليها تلك الدلالات الخاصة وبها تستفاد الاحكام بحسب ما أصل اهل الشرع وجهابذة العلم من ذلك وجعلوه قوانين لهذه الاستفادة مثل أن اللغة لا تثبت قياسا والمشترك لا يراد به معناه معا والواو لا تقتضي الترتيب والعام إذا أخرجت أفراد الخاص منه هل يبقى حجة في ما عداها والأمر للوجوب أو الندب وللفور أو التراخي والنهي يقتضي الفساد أو الصحة والمطلق هل يحمل على المقيد والنص على العلة كاف في التعدد أم لا وأمثال هذه فكانت كلها من قواعد هذا الفن ولكونها من مباحث الدلالة كانت لغوية
ثم أن النظر في القياس من أعظم قواعد هذا الفن لأن فيه تحقيق الاصل والفرع فيما يقاس من أعظم قواعد هذا الفن لأن فيه تحقيق الاصل والفرع فيما يقاس ويماثل من الاحكام وينفتح الوصف الذي يغلب الظن أن الحكم علق به في الاصل من تبين اوصاف ذلك المحل أو وجود ذلك الوصف والفرع من غير معارض يمنع من ترتيب الحكم عليه في مسائل أخرى من توابعة ذلك كلها قواعد لهذا الفن
واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية
وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الاحكام خصوصا فمنهم أخذ معظمها واما الاسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم فلما انقرض السلف وذهب الصدر الاول وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الاحكام من الادلة فكتبوها فنا قائما برأسه اصول الفقه
وكان أول من كتب فيه الشافعي أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الاوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس
ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها