تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة واربعين جزءا من النبوة وقال لم يبق من المبشرات الا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له واول ما بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انفتل من صلوة الغداة يقول لاصحابه هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا يسألهم عن ذلك ليستبشر بما وقع من ذلك مما فيه ظهور الدين واعزازه

وأما السبب في كون الرؤيا مدركا للغيب فهو ان الروح القلبي وهو البخار اللطيف المنبعث من تجويف القلب اللحمي ينتشر في الشريانات ومع الدم في سائر البدن وبه تكمل افعال القوى الحيوانية واحساسها فإذا ادركه الملال بكثرة التصرف في الاحساس بالحواس الخمس وتصرف القوى الظاهرة وغشى سطح البدن ما يغشاه من برد الليل انخنس الروح من سائر اقطار البدن إلى مركزه القلبي فيستجم بذلك لمعاودة فعله فتعطلت الحواس الظاهرة كلها وذلك هو معنى النوم

ثم ان هذا الروح القلبي هو مطية للروح العاقل من الانسان والروح العاقل مدرك الجميع في ما عالم الامر بذاته اذ حقيقته وذاته عين الادراك وإنما يمنع من تعقله للمدارك الغيبية ما هو فيه من حجاب الاشتغال بالبدن وقواه وحواسه فلو قد خلا من هذا الحجاب وتجرد عنه لرجع إلى حقيقته وهو عين الادراك فيعقل كل مدرك فإذا تجرد عن بعضها خفت شواغله فلا بد من ادراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له وهو في هذه الحالة قد خفت شواغل الحس الظاهر كلها وهي الشاغل الاعظم فاستعد لقبول ما هنالك من المدارك اللائقة من عالمه وإذا ادرك ما يدرك من عوالمه رجع إلى بدنه إذ هو ما دام في بدنه جسماني لا يمكنه التصرف الا بالمدارك الجسمانية

والمدارك الجسمانية للعلم إنما هي الدماغية والمتصرف منها هو الخيال فإنه ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة اليها عند النظر والاستدلال وكذلك تجرد النفس منها صورا أخرى

أبجد العلوم · الجزء ٢ · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبجد العلومج ٢ · ص ١٦٨