والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الاخذ والترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وامثالهم وجمع الغزالي رحمه الله بين الامرين في كتاب الاحياء فدون فيه احكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد ان كانت الطريقة عبادة فقط وكانت احكامها انما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والاصول وغير ذلك
ثم ان هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والاطلاع على علم من امر الله ليس لصاحب الحس ادراك شيء منها والروح من تلك العوالم وسبب هذا الكشف ان الروح اذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت احوال الحس وقويت احوال الروح وغلب سلطانه وتجدد نشوه وأعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح ولا يزال في نمو وتزيد إلى ان يصير شهودا بعد ان كان علما ويكشف حجاب الحس ويتم وجود النفس والعلوم اللدنية والفتح الالهي وتقرب ذاته في تحقق حقيقتها من الافق الاعلى افق الملائكة
وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لاهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع ارادتهم فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعودون منه إذا هاجمهم وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات اوفر الحظوظ لكنهم لم تقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل