واصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما فشا الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة
وقال القشيري رحمه الله ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر انه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي قال وكذلك من الصوف لانهم لم يختصوا بلبسه قلت والاظهر ان قيل بالاشتقاق انه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والاقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم وذلك ان الانسان بما هو إنسان انما يتميز عن سائر الحيوان بالادراك وادراكه نوعان ادراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وادراك للاحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضاء والغضب والصبر والشكر
وامثال ذلك فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من ادراكات وارادات واحوال وهي التي يميز بها الانسان وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الادلة والفرح والحزن عن ادراك المؤلم أو المتلذذ به والنشاط عن الحمام والكسل عن الاعياء وكذلك المريد في مجاهدته لا بد وان ينشأ عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحالة اما ان تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد واما ان لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن وسرور ونشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات
ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى ان ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة