تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.61

[9] إباحة الأكل من بيوت الأقرباء

التحليل اللفظي

﴿ حرج ﴾: قال الزجاج: الحرج في اللغة الضيق، وفي الشرع: الإثم. قال تعالى:

لكي لا يكون على المؤمنين حرج

[الأحزاب: 37] والمتحرج: الكاف عن الإثم، وفي الحديث

" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج "

وتحرج تأثم، والتحريج: التضييق.

قال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضيق ويقع على الإثم والحرام، وقيل الحرج: أضيق الضيق، ومعنى الحديث لا بأس ولا إثم عليكم أن تحدثوا عنهم ما سمعتم. وقد ورد الحرج في أحاديث كثيرة وكلها راجعة إلى هذا المعنى.

وفي التنزيل:

يجعل صدره ضيقا حرجا

[الأنعام: 125] أي شديد الضيق لا ينشرح لخير.

﴿ مفاتحه ﴾: جمع مفتح، وأما المفاتيح فجمع مفتاح، قال في " لسان العرب ": والمفتح، بكسر الميم والمفتاح: مفتاح الباب وكل ما فتح به الشيء، قال الجوهري: وكل مستغلق. وفي التنزيل

وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة

[القصص: 76] قيل هي مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب، وقيل: هي الكنوز والخزائن.

قال الأزهري: والأشبه في التفسير أن قوله تعالى: ﴿ مفاتحه ﴾ خزائن ماله، والله أعلم بما أراد.

﴿ أشتاتا ﴾: متفرقين جمع شت، والشتات: الفرقة، وتشتت جمعهم: أي تفرق جمعهم، قال الطرماح:

شت شعب الحي بعد التئام

وشجاك الربع ربع المقام

قال في " لسان العرب ": الشت: الافتراق والتفريق، والشتيت المتفرق، وفي التنزيل

يومئذ يصدر الناس أشتاتا

[الزلزلة: 6] أي يصدرون متفرقين، منهم من عمل صالحا، ومنهم من عمل شرا. وجاء القوم أشتاتا: متفرقين، واحدهم شت.

ومعنى الآية؛ أي ليس عليكم إثم أو جناح أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين.

﴿ فسلموا ﴾: من التسليم بمعنى التحية، والمعنى: حيوا بعضكم بعضا بتحية الإسلام، وتحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله) وفي الحديث

" وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف "

والتسليم: مشتق من السلام اسم الله تعالى، لسلامته من العيب والنقص.

قال في " اللسان ": السلام والتحية معناهما واحد، وهو السلامة من جميع الآفات، وفي حديث التسليم:

" قل السلام عليك، فإن عليك السلام تحية الموتى "

وقد جرت به عادتهم في المراثي كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء له كقوله: " عليك سلام الله قيس بن عاصم ".

وفي حديث أبي هريرة:

" لما خلق الله آدم قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: " السلام عليكم... "

الحديث.

﴿ تحية ﴾: قال الزجاج: هي منصوبة على المصدر كقولك: قعدت جلوسا، لأن قوله: (فسلموا) بمعنى فحيوا، ومعنى الآية: فحيوا بعضكم بعضا تحية من عند الله مباركة طيبة. والتحية في اللغة: السلام، قال تعالى:

وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله

[المجادلة: 8]. قال الأزهري: والتحية (تفعلة) من الحياة، وإنما أدغمت لاجتماع الأمثال. والهاء لازمة لها والتاء زائدة، وروي عن أبي الهيثم أنه قال: التحية في كلام العرب ما يحيي بعضهم بعضا إذا تلاقوا قال الشاعر:

" تحية بينهم ضرب وجيع "

﴿ مبركة ﴾: بالأجر والثواب، والبركة في اللغة أصلها: النماء والزيادة.

﴿ طيبة ﴾: حسنة طابت بالدعاء والإيمان أو تطيب نفس المحيى بها، قال أبو بكر الجصاص: يعني أن السلام تحية من عند الله، لأن الله أمر به، وهي مباركة طيبة، لأنه دعاء بالسلامة، فيبقى أثره ومنفعته، وفيه الدلالة على أن قوله:

وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ

[النساء: 86] قد أريد به السلام.

المعنى الإجمالي

يقول الله جل ذكره ما معناه: ليس على أهل الأعذار ولا على ذوي العاهات (الأعمى، والأعرج، والمريض) حرج أن يأكلوا مع الأصحاء، فإن الله تعالى يكره الكبر والمتكبرين، ويحب من عباده التواضع. وليس عليكم أيها المؤمنون حرج أن تأكلوا من بيوت أقربائكم أو أصدقائكم، أو البيوت التي توكلون عليها، وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها، ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين، فإذا دخلتم بيوت إخوانكم أو أصدقائكم، فابدءوهم بالسلام، وسلموا عليهم بتحية الإسلام، التي هي شعار المؤمنين، تحية من عند الله مباركة طيبة، ذلك شرع الله وحكمه إليكم، لتتأدبوا بآداب الإسلام، وتتمسكوا بتعاليمه الرشيدة، التي فيها سعادتكم وصلاح دينكم ودنياكم، كذلك يبين الله لكم طريق الخير والسعادة لعلكم تعقلون الخير والحق في جميع الأمور وتكونون من المؤمنين المتقين.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٨٦