تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده

[الأنعام: 152] وأشد الصبي كما روي عن ابن عباس: أنه ثماني عشرة سنة، وأما الإناث فنشوءهن وإدراكهن يكون أسرع فنقص في حقهن سنة فيكون بلوغهن سبع عشرة سنة.

2 - مذهب الشافعية والحنابلة (الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد) إلى أنه إذا بلغ الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن أبي حنيفة أيضا.

واستدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه).

وقالوا: إن العادة جارية ألا يتأخر البلوغ في (الغلام والجارية) عن خمس عشرة سنة فيكون هو سن البلوغ الذي يصبح به الإنسان مكلفا وذلك بحكم العادة.

قال الجصاص في تفسيره " أحكام القرآن ": قوله تعالى: ﴿ والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴾ يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك، لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة

" رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم "

ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة وبين من لم يبلغها.

وأما حديث ابن عمر: أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.. إلخ فإنه مضطرب لأن الخندق كان في سنة خمس، وأحد في سنة ثلاث، فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه، ويجاز غير البالغ لقوته على القتال. وطاقته لحمل السلاح كما أجاز (رافع بن خديج) ورد (سمرة بن جندب) ويدل عليه أنه لم يسأله عن الاحتلام ولا عن السن.

وقد تكلم بكلام كثير انتصر فيه لمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

الترجيح: والصحيح هو قول الجمهور لما علمنا أن مثل هذا إنما يثبت بحكم العادة، وقد جرت العادة في الأغلب على الاحتلام في مثل هذا السن، فيكون هو سن البلوغ المعتبر في التكليف. وقد نص فقهاء الحنفية على أن الفتوى بقول (الصاحبين) وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أيضا فيكون هو المعتبر، وكفى الله المؤمنين القتال.

الحكم السادس: هل يعتبر الإنبات دليلا على البلوغ؟

الراجح من أقوال الفقهاء أن البلوغ لا يكون إلا بالاحتلام أو بالسن وهي سن الخامس عشرة كما مر معنا، وقد روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه اعتبر الإنبات دليلا على البلوغ، واستدل بما روي عن (عطية القرظي) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت، قال: فنظروا إلي فلم أكن قد أنبت فاستبقاني.

وما روي أيضا أن عثمان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال: هل أخضر عذاره؟ وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة.

وبقية الفقهاء لا يعتبرون الإنبات دليلا على البلوغ حتى قال الجصاص إن حديث (عطية القرظي) لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه:

أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر ولا سيما مع اعتراضه على الآية والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام.

وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعض الروايات أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من اخضر عذاره، ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه.

وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر للقتل لذلك لا للبلوغ.

والصحيح أن الإمام الشافعي رحمه الله جعل الإنبات دليلا على البلوغ في حق أطفال الكفار لإجراء أحكام الأسر، والجزية، والمعاهدة، وغيرها من الأحكام لا أنه جعله دليلا على البلوغ مطلقا، كما نبه على ذلك بعض العلماء.

قال الألوسي: ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله (خمسة أشبار) وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له، ويقتص منه.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٨٣