ومن سورة التحريم
(٨٨٣) قال الهيثم بن كُلَيب في «مسنده» (١): ثنا أبو قِلاَبة عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا جرير بن حازم، / (ق ٣٤١) عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: قال النبيُّ ﷺ لحفصةَ: «لا تُحدِّثي أحدًا، وإنَّ أُمَّ إبراهيمَ عليَّ حرامٌ». فقالت: أَتُحرِّم ما أحلَّ اللهُ لك؟ قال: «فوالله لا أَقرَبُهَا». قلتُ: فلم تَقِرَّ بها نفسُها حتى أخبَرَتْ عائشةَ، فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢).
هذا إسناد صحيح على شرطهما (٣)، ولم يخرِّجه أحدٌ من أصحاب الكتب، وإنما اختاره الضياء في كتابه.
(١) ليس في القسم المطبوع من «مسنده»، ومن طريقه: أخرجه الضياء المقدسي في «المختارة» (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠ رقم ١٨٩).
(٢) التحريم: ٢
(٣) لكن له علَّة، فقد تفرَّد بروايته جرير بن حازم دون بقية أصحاب أيوب المتقنين، وقد قال الإمام أحمد: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب. انظر: «شرح علل الترمذي» لابن رجب (٢/ ٥١٣).
وله طريق أخرى صحيحة: أخرجها النسائي في «سننه» (٧/ ٨٣ رقم ٣٩٦٩) في عشرة النساء، باب الغيرة، والحاكم (٢/ ٤٩٣) والبيهقي (٧/ ٣٥٣) والضياء في «المختارة» (٥/ ٦٩، ٧٠ رقم ١٦٩٤، ١٦٩٥) من طريق حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان لرسولِ الله ﷺ أَمَةٌ يَطَؤُها، فلم تَزَل به عائشةُ وحفصةُ حتى حَرَّمها، فأنزل الله: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ...﴾ الآية.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
وصحَّحه -أيضًا- الحافظ في «التلخيص الحبير» (٣/ ٢٠٨) والشيخ الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٢٩٥٩). ...
وقد ورد في سبب نزول الآية سبب آخر، وذلك فيما أخرجه البخاري في «صحيحه» (٩/ ٣٧٤ رقم ٥٢٦٧ - فتح) في الطلاق، باب: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ من حديث عائشة -رضي الله عنها-: أنّ النبيَّ ﷺ كان يَمكثُ عند زينب بنت جَحش ويشرب عندها عَسَلًا، فتَوَاصيتُ أنا وحفصةُ أن أيَّتُنا دخل عليها النبيُّ ﷺ، فلتقُل: إنِّي لأجدُ منك ريحَ مغافيرَ، أكلتَ مغافيرَ، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: «لا بأس، شَربتُ عَسَلًا عند زينب بنت جَحش، ولن أعودَ له». فنَزَلت: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾: لعائشةَ وحفصةَ، ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ لقوله: بل شَربتُ عَسَلًا.
قال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦٥٧): فيحتمل أنَّ الآية نَزَلت في السَّببين معًا.