تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أعجبني، فقلتُ: هل أنت مُكتِبي ما تقول؟ قال: نعم، فأتيته بأَديم، فأخذ يُمل عليَّ حتى كتبتُ في الأكرع، فلما رجعتُ، قلتُ: يا نبيَّ الله ...، وأخبرتُه، قال: «ائتِنِي به»، فانطلقتُ أرغبُ عن المشي، رجاءَ أن أكونَ جئتَ نبيَّ الله ﷺ ببعض مايحبُّ.

فلمَّا أَتيتُ به، قال: «اجلس، اقرأ عليَّ»، فقرأتُ ساعةً، ثم نَظَرتُ إلى وجهه، فإذا هو يتلَّون، فتحيَّرت من الفَرَقِ، فما استطعتُ أُجِيز منه حرفًا، فلما رأى الذي بي دفعتُه، ثم جعل يَتبعُهُ رسمًا رسمًا فيمحوه بريقه، وهو يقول: «لا تَتَّبِعوا هؤلاءِ، فإنَّهم قد هَوَّكُوا وتَهَوَّكُوا»، حتى محا آخرَه حرفًا حرفًا، قال عمرُ: فلو عَلِمتُ أنَّكما كتبتما منه شيئًا؛ جعلتكما نكالًا لهذه الأمَّة. قالا: والله ما نكتبُ منه شيئًا أبدًا، فخَرَجا بصُفتيهما، فحَفَرا لها في الأرض، فلم يألو أن تعمَّقا، ودَفَناها، فكان آخرَ العهد منها.

وهكذا رواه الثوري، عن جابر بن يزيد الجُعفِي، عن الشَّعبي، عن عبيد الله (١) بن ثابت الأنصاري، عن عمرَ، بنحوه (٢).

(١) كذا ورد بالأصل. والصواب: «عبد الله»، كما في مصادر التخريج.

(٢) هذا الأثر يَرويه الشعبي، واختُلف عليه:

فقيل: عنه، عن عبد الله بن ثابت، عن عمرَ!

وقيل: عنه، عن جابر بن عبد الله، عن عمرَ!

أما الوجه الأول: فأخرجه عبد الرزاق (٦/ ١١٣ رقم ١٠١٦٤) -وعنه أحمد (٣/ ٤٧٠) و(٤/ ٢٦٥) - عن الثوري، به. ولفظه: جاء عمرُ بن الخطاب إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنِّي مررتُ بأخ لي من قريظة، وكَتَب لي جوامعَ من التوراة، أفلا أعرضُها عليك؟ قال: فتغيَّر وجهُ رسول الله ﷺ ...، الحديث، وفيه: فقال رسولُ الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتَّبعتموه وتَرَكتموني؛ لَضَلَلتم، أنتم حظِّي من الأُمم، وأنا حظُّكم من النبيين».

وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف جابر الجُعفِي.

وأما الوجه الثاني: فأخرجه أحمد (٣/ ٣٨٧) -واللفظ له- وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (١/ ٢٦ رقم ٥٠) وأبو يعلى (٤/ ١٠٢ رقم ٢١٣٥) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٨٠٥ رقم ١٤٩٧) من طريق مُجالِد، عن الشَّعبي، عن جابر بن عبد الله: أنَّ عمرَ بن الخطاب أتى النبيَّ ﷺ بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فقَرَأه على النبيِّ ﷺ، فغضب، وقال: أمتهوِّكون فيها يا ابنَ الخطابِ، والذي نفسي بيده، لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيُخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتُصدِّقوا به، والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وَسِعَه إلا أن يتبعني.

وإسناده ضعيف؛ لضعف مُجالِد.

وقد ضعَّف هذا الحديثَ الإمامُ البخاري، كما في «الإصابة» لابن حجر (٦/ ٢٩).

وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦/ ١٢١ - بهامش الإصابة): حديث مضطرب.

وقد أخرج البخاري في «صحيحه» (٥/ ٢٩١ رقم ٢٦٨٥ - فتح) في الشهادات، باب لا يُسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: يا معشرَ المسلمين، كيف تسألون أهلَ الكتاب، وكتابُكم الذي أُنزِلَ على نبيِّه ﷺ أَحدَثُ الأخبارِ بالله، تَقرؤونه لم يُشَب؟! وقد حدَّثكم اللهُ أنَّ أهلَ الكتاب بدَّلوا ما كَتَب اللهُ، وغيَّروا بأيديهم الكتابَ، فقالوا: «هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا»، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا واللهِ ما رأينا منهم رجلًا قطُّ يسألكم عن الذي أُنزل عليكم.

مسند الفاروق لابن كثير ت إمام · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مسند الفاروق لابن كثير ت إمامج ٢ · ص ٥٤٧