أن يكون العمل والعين كلاهما من الصانع، فلو كانت العين من المستصنع كان العقد إجارة آدمي(1)، فإن سَلَّم إلى حداد حديداً؛ ليعمل له إناء معلوماً بأجر معلوم, أو جلداً إلى خفاف؛ ليعمل له خفاً معلوماً بأجر معلوم; فذلك جائز ولا خيار فيه; لأن هذا ليس باستصناع, بل هو استئجار; فكان جائزاً فإن عمل كما أمر; استحق الأجر, وإن أفسد; فله أن يضمنه حديداً مثله; لأنه لما أفسده, فكأنه أخذ حديداً له واتخذ منه آنية من غير إذنه, والإناء للصانع; لأن المضمونات تملك بالضمان(2).
رابعاً: حكمه وصفته وبطلانه:
الأول: حكمه: فهو ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة, وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكاً غير لازم(3).
الثاني: صفته: وهي على الأحوال التالية:
قبل العمل: فإنه عقد غير لازم للجانبين, حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل, كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين: أن لكل واحد منهما الفسخ; لأن القياس يقتضي أن لا يجوز، وإنما عرفنا جوازه استحساناً; لتعامل الناس, فبقي اللزوم على أصل القياس(4).
(1) ينظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1: 115، وغيرها.
(2) ينظر: بدائع الصنائع 5: 3-4 وغيرها.
(3) ينظر: البدائع 5: 3، وغيرها.
(4) ينظر: بدائع الصنائع 5: 3، قال الأتاسي في شرحه النافع الماتع على المجلة 2: 406: وأما إلزام الصانع على العمل وعدم رجوع الآمر عنه، فهو وإن صرح به في التنوير تبعاً للدرر والوقاية ص561 إلا أنه مخالف لكثير من كتب المذهب؛ لقول البحر: وحكمه الجواز دون اللزوم؛ لذا قلنا للصانع أن يبيع المصنوع قل أن يراه المستصنع؛ لأن العقد غير لازم. وذكر كلام البدائع، ثم قال: فقد ظهر لك بهذه النقول أن الاستصناع لا جبر فيه.