شبهة في تجويز البدعة
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ 26/10/1425ه
السؤال
السلام عليكم ... وبعد:
قرأت في فتح الباري تعليقا لابن حجر- رحمه الله- على حديث: (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه: (ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه) . فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ ". قال: أنا. قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول". قول استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور) . وسؤالي هو: ألا يخالف قول ابن حجر هذا- أومن نقل عنه هذا القول- حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة"؟ وعلى قوله فهل يجوز لي أن أحدث دعاء جديدا في الصلاة؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
أقول، وبالله التوفيق والسداد:
حديث رفاعة بن رافع، رضي الله عنه، في صحيح البخاري (799) .
وأما قول الحافظ ابن حجر في الفتح (2/335) : (واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور) . فليس فيه مخالفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة". لأن الحافظ لم يجوز المداومة على هذا الذكر دون توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نقل جواز الذكر بغير المأثور في الصلاة دون تعرض لكون هذا الذكر داوم عليه المصلي أو لم يداوم عليه.
والذي يرجح أن الحافظ إنما نقل الجواز بناء على أنه كان ذكرا عارضا من غير مداومة عليه ولا كان بقصد المداومة عليه، أنه رجح أن قصة هذا الحديث قد وقعت للصحابي الذي رواه، وهو رفاعة بن رافع، رضي الله عنه، وأنه قال هذا الذكر بعد أن عطس في صلاته، كما جاء مصرحا به عند أبي داود (773) ، والترمذي (404) ، والنسائي (931) ، وجمع الحافظ بين حديث البخاري وحديث هؤلاء بقوله: (والجواب أنه لا تعارض بينهما، بل يحمل على أن عطاسه قد وقع عند رفع رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وبناء على ذلك: فالحافظ إنما نقل جواز ذكر غير مأثور على وجه العروض والندرة، لا على وجه التكرار أو المداومة.
وهذا ليس من الابتداع في شيء، وهو يتخرج على قول من يجيز الذكر بغير المأثور، في صلاة الفرض، إذا كان من دعاء الآخرة، وهو قول عامة أهل العلم: [انظر: بداية المجتهد لابن رشد (1/92) ، والمغني لابن قدامة (2/237- 239) ، والشرح الكبير للحفيد مع الإنصاف في حاشيته (3/553- 560، 626- 633) .
بل ظاهر الحديث يدل على أكثر من ذلك، كما قال ابن عبد البر في التمهيد (16/199) : (وفي حديث هذا الباب لمالك أيضا دليل على أن الذكر كله والتحميد والتمجيد ليس بكلام تفسد به الصلاة، وأنه كله محمود في الصلاة المكتوبة والنافلة، مستحب مرغوب فيه) .
ولذلك فليس في كلام الحافظ ابن حجر مؤاخذة عندي، لا من جهة أنه نقله عن غيره فقط، وإنما من جهة أنه لا يدل على أن ابتداع ذكر في الصلاة جائز؛ لأن الذكر بغير المأثور، إذا لم يكن على جهة المداومة والاعتياد عليه، ولا على وجه الحث عليه، وأمر الناس به حتى يتوهم الناس أنه مأثور أو أنه مستحب على التخصيص- لا وجه للقول ببدعيته.
والله أعلم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.