ويصح أن تكون شرطية وعائدة محذوف فيكون المعنى : فأى زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم ، إذ لا يجوز أن يكون نقض العهد من جهتكم .
وقوله : ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال ، وتبيين أن الوفاء بالعهد إلى مدته مع الموفين بعهدهم من تقوى الله التى يحبها لعباده ، ويحبهم بسبب تمسكهم بها .
هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية : ان العهد المعتد به فى شريعة الإِسلام ، هو عهد الأوفياء غير الناكثين ، وأن من استقام على عهده عاملناه بمقتضى استقامته ، وأن الالتزام بالعهود من تقوى الله التى يحبها لعباده .
وقوله - سبحانه - ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً . . . ﴾ لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، ولاستنكار ان يكون لهم عهد حقيق بالمرعاة ، وبيان لما يكون عليه أمرهم عند ظهورهم على المؤمنين .
وفائدة هذا التكرار للفظ ﴿ كَيْفَ ﴾ : التأكيد والتمهيد لتعداد الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإِغلاظ عليهم ، والحذر منهم .
قال الآلوسى : وحذف الفعل كيف هنا لكونه معلوماً من الآية السابقة ، وللإِيذان بأن النفس مستضحرة له ، مترقبة لورود ما يوجب استنكاره .
وقد كثر الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده . ومن ذلك قول كعب الغنوى يرثى أخاه أبا المغوار :
وخبرتمانى أنما الموت بالقرى ... فيكف وماتا هضبة وقليب
يريد فكيف مات والحال ما ذكر .
والمراد هنا : كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله وحالهم أنهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ .
وقوله : ﴿ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ يظفروا بكم ويغلبوكم . يقال : ظهرت على فلان أى : غلبته ومنه قوله - تعالى - ﴿ فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ أى : غالبين .
وقوله : ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ ﴾ أى : لا يراعوا فى شأنكم . يقال : رقب فلان الشئ يرقبه إذا رعاه وحفظه . . ورقيب القوم حارسهم .
والإِل : يطلق على العهد ، وعلى القرابة ، وعلى الحلق .
قال ابن جرير - بعد أن ساق أوالا فى معنى الإِل - وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : والإِل : اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهى العهد والعقد ، والحلف ، والقرابة . . ومن ادلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإِل وأعراق الرحم
أى قطعوا القرابة .
ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل :
وجدناهم كاذبا إلهم ... وذو الإِل والعهد لا يكذب
وإذا كان الكلمة تشمل هذه المعانى الثلاثة ، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها - جل ثناؤه - معانيها الثلاثة . .
والذمة : كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هى ما يتذمم به أى يجتنب فيه الذم .
والمعنى : بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، والحال المعهود منهم أن إن يظفروا بكم ويغلبوكم ، لا يراعوا فى أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق .
وقوله - تعالى - ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ زيادة بيان للأحال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين .
أى : أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فلعوا بكم الأفاعيل ، وتفتنوا فى إيذاكم من غير أن يقيموا وزنا لما بينكم وبينهم من عهود وموايثق ، وقرابات وصلات . . أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ أى : يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لكم ، وهم فى الوقت نفسه ﴿ وتأبى قُلُوبُهُمْ ﴾ المملوءة حقدا عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم ، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى آية أخرى : ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ وقوله : ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أى : خارجون عن حدود الحق ، منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة ، إذ الفسق هو الخروج والانفصال . يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن حدود الشرع .