كفرهم بآيات الله وصدهم عن سبيل الله
قال تعالى :{ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) سورة آل عمران
وقد تكرر مثل هذا التنديد في هذه السورة , وفي سور غيرها كثيرة . وأول ما يتركه هذا التنديد من أثر هو مجابهته أهل الكتاب بحقيقة موقفهم , ووصفهم بصفتهم , التي يدارونها بمظهر الإيمان والتدين , بينما هم في حقيقتهم كفار . فهم يكفرون بآيات الله القرآنية . ومن يكفر بشيء من كتاب الله فقد كفر بالكتاب كله . ولو أنهم آمنوا بالنصيب الذي معهم لآمنوا بكل رسول جاء من عند الله بعد رسولهم . فحقيقة الدين واحدة . من عرفها عرف أن كل ما يجيء به الرسل من بعد حق , وأوجب على نفسه الإسلام لله على أيديهم . .
وهي حقيقة من شأنها أن تهزهم وأن تخوفهم عاقبة ما هم فيه .
ثم إن المخدوعين من الجماعة المسلمة بكون هؤلاء الناس أهل كتاب , يسقط هذا الخداع عنهم , وهم يرون الله - سبحانه - يعلن حقيقة أهل الكتاب هؤلاء , ويدمغهم بالكفر الكامل الصريح . فلا تبقى بعد هذا ريبة لمستريب .
وهو - سبحانه - يهددهم بما يخلع القلوب:
(والله شهيد على ما تعملون) . . (وما الله بغافل عما تعملون) . .
وهو تهديد رعيب , حين يحس إنسان أن الله يشهد عمله . وأنه ليس بغافل عنه . بينما عمله هو الكفر والخداع والإفساد والتضليل !
ويسجل الله تعالى عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به , ويصدون الناس عنه:
(وأنتم شهداء) . . مما يجزم بأنهم كانوا على يقين من صدق ما يكذبون به , ومن صلاح ما يصدون الناس عنه . وهو أمر بشع مستنكر , لا يستحق فاعله ثقة ولا صحبة , ولا يستأهل إلا الاحتقار والتنديد !
ولا بد من وقفة أمام وصفة تعالى لهؤلاء القوم بقوله:
(لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا . . . ?)
إنها لفتة ذات مغزى كبير . .
إن سبيل الله هو الطريق المستقيم . وما عداه عوج غير مستقيم . وحين يصد الناس عن سبيل الله ; وحين يصد المؤمنون عن منهج الله , فإن الأمور كلها تفقد استقامتها , والموازين كلها تفقد سلامتها , ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم .
إنه الفساد . فساد الفطرة بانحرافها . وفساد الحياة باعوجاجها . .
وهذا الفساد هو حصيلة صد الناس عن سبيل الله وصد المؤمنين عن منهج الله . . وهو فساد في التصور . وفساد في الضمير . وفساد في الخلق . وفساد في السلوك . وفساد في الروابط . وفساد في المعاملات . وفساد في كل ما بين الناس بعضهم وبعض من ارتباطات . وما بينهم وبين الكون الذي يعيشون فيه من أواصر . .
وإما أن يستقيم الناس على منهج الله فهي الاستقامة والصلاح والخير , وإما أن ينحرفوا عنه إلى آية وجهه فهو العوج والفساد والشر . وليس هنالك إلا هاتان الحالتان , تتعاوران حياة بني الإنسان:
استقامة على منهج الله فهو الخير والصلاح , وانحراف عن هذا المنهج فهو الشر والفساد ! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 683)
وقوله - تعالى - : ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله ﴾ أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يوبخ هؤلاء اليهود ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية وإيذاء أتباعها ومحاولتهم صرف الناس عنها .
أى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات : لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقى فيما أبلغه عن ربى ، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد أعمالكم الظاهرة والخفية ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم .