حرمة مودة الكافرين
عثمان بن جمعة ضميرية
الطائف
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [المائدة 51].
لقد قرر الله سبحانه وتعالى مبدأ الولاية بين المؤمنين ، وجعل بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون ويتعاونون ويتعاضدون ، ويتحابون فيما بينهم بمقتضى ميثاق الأخوة الإيمانية: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وذلك لأن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة المسلمة التي تتجمع وتتعاون لموجهة كل من يعارض الإسلام ويحارب المسلمين ويعاديهم .
والخروج عن هذا المبدأ الإسلامي الأصيل ثغرة في الإيمان ونقص ينبغي تداركه وإذا وصل إلى موالاة الأعداء ومحبتهم والتعاون معهم فإنه الخروج على قانون الإسلام أو الارتداد عنه .
ولذلك جاءت الآيات الكريمة ، يحذرنا الله فيها من أن نلقي بالمودة والمحبة إلى الكفار، أو أن نتخذهم أولياء لله دون المؤمنين حتى ولو كانوا أقرب الناس نسبا ، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هو الظالمون [التوبة 23]، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة [الممتحنة 1]، لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه و إلى الله المصير [آل عمران 28].
والولاية التي نهى الله تعالى عنها تعني: التناصر والتحالف مع الكافرين ، ولا تتعلق بمعنى إتباعهم في دينهم ، فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين ، فإن ذلك ردة صريحة وكفر واضح مستبين ، إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي قد يلتبس أمره على بعض المسلمين فيحسبونه جائزا بحكم ما يقع بين الناس من تشابك المصالح والأواصر .
ويرشدك إلى هذا المعنى أن الله تعالى أنزل على نبيه محمد صدر سورة الممتحنة في شأن حاطب بن أبي بلتعه ، وفيه نهى الله تعالى عن موالاة أعداء الله ، وما كان حاطبا متبعا للكافرين ، وإنما ألقى بشيء من أسرار النبي إلى الكفار بحكم ما كان بينه وبين القوم فأراد أن يصنع عندهم يدا ، فقد كان حاطب رجلا من المهاجرين ، وكان من أهل بدر وكان له بمكة أولاد ومال ، ولم يكن في قريش من أنفسهم ، بل كان حليفا ، ولما عزم النبي على فتح مكة أرسل إليهم الخبر خشية منه على أهل له بمكة،فكان ذلك موالاة لهم.
المؤمنون بعضهم أولياء بعض ، والكافرون بعضهم أولياء بعض مهما اختلفت مللهم وتباينت نحلهم ، وتعددت راياتهم ، ولن يهدأ لهم بال حتى يردوا المسلمين عن دينهم إن استطاعوا ، قال تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم . وقال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .
ويتفق موقف أهل الكتاب من اليهود والنصارى مع موقف المشركين تجاه الإسلام والمسلمين و الواقع التاريخي كله ،شاهد صادق على ذلك والأمثلة عليه تعز على الحصر ، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا بذلك فقال: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة .
ولذلك أيها المؤمنون: كان الإيمان هو الآصرة التي يتجمع حولها المسلمون ، وكانت كلمة التوحيد ، كلمة لا إله إلا الله هي الراية التي ينضمون تحتها ، وكانت كل دعوة عداها دعوة جاهلية منتنة ، ينبغي على المسلم أن لا يعبأ بها ولا ينتصر لها ، إن النسب المصلح أو الجنس أو الوطن أو القوم أو غير ذلك من الشارات والشعارات ينبغي أن تكون الدعوة إليه ، إن كانت على أساس أنه ينضوي ويدخل تحت راية لا إله إلا الله ، وإلا فإن الإسلام بريء من ذلك .