إنها لم تكن حالة طارئة ولا وقتية في الجزيرة العربية . ولم تكن حالة طارئة ولا وقتية في بغداد . . إنها الحالة الدائمة الطبيعية الحتمية ; حيثما وجد مؤمنون يدينون بالعبودية لله وحده ; ومشركون أو ملحدون يدينون بالعبودية لغير الله . في كل زمان وفي كل مكان .
ومن ثم فإن تلك النصوص - وإن كانت قد نزلت لمواجهة حالة واقعة في الجزيرة , وعنت بالفعل تقرير أحكام التعامل مع مشركي الجزيرة - إلا أنها أبعد مدى في الزمان والمكان . لأنها تواجه مثل هذه الحالة دائما في كل زمان وفي كل مكان . والأمر في تنفيذها إنما يتعلق بالمقدرة على التنفيذ في مثل الحالة التي نفذت فيها في الجزيرة العربية , ولا يتعلق بأصل الحكم ولا بأصل الموقف الذي لا يتبدل على الزمان . . (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1897)
وقوله - سبحانه - : ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ الاستفهام فيه للانكار والاستبعاد لأن يكون للمشركين عهد . وهو إنكار للوقوع لا للواقع . أى؛ تحذير للمؤمنين من أن يقع منهم ذلك فى المستقبل .
والمراد بالمشركين أولئك الذين نقضوا عهودهم ، لأن البراءة إنما هى فى شأنهم والعهد : ما يتفق شخصان او طائفتان من الناس على التزامه بينهما ، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضى زيادة العناية بالوفاء به سمى ميثاقا ، لاشتقاقه من الوثاق - بفتح الواو - وهو الحبل أو القيد . وإن أكداه بالميمين خاصة سمى يمينا .
ومسى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه فى يمين الآخر عند عقده .
والمعنى : لا ينبغى ولا يجوز أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله لأن هؤلاء المشركين لا يدينون لله بالعبودية ، ولا لرسوله بالطاعة ، ولأنهم قوم دأبهم الخيانة . وعادتهم الغدر ، ومن كان كذلك لا يكون له عهد عند الله ولا عند رسوله .
قالوا : وفى توجيه الإِنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس فى توجيهه إلى ثبوته ، لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال ، فإذا انتفت جميع أحوال وجوده ، فقد انتفى وجوده بالطريق البرهانى . وتكرير كلمة ﴿ عِندَ ﴾ للايذان بعدم الاعتداء بعهودهم عند كل من الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على حدة .
و ﴿ يَكُونُ ﴾ من الكون التام و ﴿ كَيْفَ ﴾ محلها النصب على التشبيه بالحال أو الظرف . أو من الكون الناقص فيكون قوله ﴿ عَهْدٌ ﴾ اسمها ، وقوله ﴿ كَيْفَ ﴾ خبرها وهو واجب التقديم ، لأن الاستفهام له صدر الكلام .
وقوله : ﴿ إِلاَّ الذين عَاهَدْتُمْ عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ . . ﴾ استثناء من المشركين الذين استنكرت الآية أن تكون لهم عهود عند الله وعند رسوله .
والمراد بالمشركين الذين استثنوا هنا : أولئك الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ وهم - كما رجحه ابن جرير والخازن - بنو خزيمه وبنو مدلج وبنو مضرة من قبائل بنى بكر ، وكانوا قد وفوا بعهودهم مع المسلمين .
وأيد ذكر استثنائهم هنا ، لتأكيد هذا الحكم وتقريره .
والمراد بالمسجد الحرام : جميع الحرم ، فيكون الكلام على حذف مضاف .
أى : عند قرب المسجد الحرام .
والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام ، لزيادة بيان اصحابها ، وللإِشعار بسبب وجوب الوفاء بها .
والمعنى : لا ينبغى ولا يصح أن يكون للشمركين عهد عند الله وعند رسوله ، لكن الذين عاهدتموهم - أيها المؤمنون - عند المسجد الحرام من المشركين ولم ينقضوا عهودهم ﴿ فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ .
أى : فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ، فتكون ﴿ مَا ﴾ مصدرية منصوبة المحل على الظرفية .