والجملة الكريمة بيان للوصول وهو قوله - تعالى - ﴿ الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب ﴾ .
===========
قولهم للمشركين أنهم أهدى من المسلمين سبيلا
قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ (51) سورة النساء
لقد كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب , أولى الناس أن يتبعوا الكتاب ; وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه من لم يأتهم من الله هدى ; وأن يحكموا كتاب الله في حياتهم , فلا يتبعوا الطاغوت - وهو كل شرع لم يأذن به الله , وكل حكم ليس له من شريعة الله سند - ولكن اليهود - الذين كانوا يزكون أنفسهم , ويتباهون بأنهم أحباء الله - كانوا في الوقت ذاته يتبعون الباطل والشرك باتباعهم للكهانة وتركهم الكهان والأحبار يشرعون لهم ما لم يأذن به الله . وكانوا يؤمنون بالطاغوت ; وهو هذا الحكم الذي يقوم على غير شريعة الله . . وهو طاغوت لما فيه من طغيان - بادعاء الإنسان إحدى خصائص الألوهية - وهي الحاكمية - وبعدم انضباطه بحدود من شرع الله , تلزمه العدل والحق . فهو طغيان , وهو طاغوت ; والمؤمنون به والمتبعون له , مشركون أو كافرون . . يعجب الله من أمرهم , وقد أوتوا نصيبا من الكتاب , فلم يلتزموا بما أوتوه من الكتاب !
ولقد كانوا يضيفون إلى الإيمان بالجبت والطاغوت , موقفهم في صف المشركين الكفار , ضد المؤمنين الذين آتاهم الله الكتاب أيضا:
ويقولون للذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا . . قال ابن إسحاق . حدثني محمد بن أبى محمد , عن عكرمة - أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس . قال:"كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة , حيي بن أخطب , وسلام بن الحقيق , وأبو رافع , والربيع بن الحقيق , وأبو عامر , ووحوح بن عامر , وهودة بن قيس . فأما وحوح وأبو عامر وهودة , فمن بني وائل , وكان سائرهم من بني النضير . . فلما قدموا على قريش قالوا:هؤلاء أحبار يهود , وأهل العلم بالكتاب الأول . فاسألوهم:أدينكم خير أم دين محمد ? فسألوهم . فقالوا:دينكم خير من دينه , وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) . . . إلى قوله عز وجل: (وآتيناهم ملكا عظيما) . . وهذا لعن لهم , وإخبار بأنه لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة . لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين . وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم . وقد أجابوهم , وجاءوا معهم يوم الأحزاب ; حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابة حول المدينة الخندق , وكفى الله شرهم
(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا . وكفى الله المؤمنين القتال , وكان الله قويا عزيزا) .
وكان عجيبا أن يقول اليهود:إن دين المشركين خير من دين محمد ومن معه , وإن المشركين أهدى سبيلا من الذين آمنوا بكتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولكن هذا ليس بالعجيب من اليهود . . إنه موقفهم دائما من الحق والباطل , ومن أهل الحق وأهل الباطل . . إنهم ذوو أطماع لا تنتهي , وذوو أهواء لا تعتدل , وذوو أحقاد لا تزول ! وهم لا يجدون عند الحق وأهله عونا لهم في شيء من أطماعهم وأهوائهم وأحقادهم . إنما يجدون العون والنصرة - دائما - عند الباطل وأهله . ومن ثم يشهدون للباطل ضد الحق ; ولأهل الباطل ضد أهل الحق !
هذه حال دائمة , سببها كذلك قائم . . وكان طبيعيا منهم ومنطقيا أن يقولوا عن الذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا !
وهم يقولونها اليوم وغدا . إنهم يشوهون بوسائل الدعاية والإعلام التي في أيديهم كل حركة إسلامية ناجحة على ظهر الأرض ; ويعينون عليها أهل الباطل لتشويهها وتحطيمها - بالضبط كما كانوا يعينون مشركي قريش ويستنصرون بهم في الوقت ذاته - لتشويه الحركة الإسلامية الأولى وتحطيمها .