تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما وصف أكرهم بالفسوق ، لأن هؤلاء الاكثرين منهم ، هم الناقضون لعهودهم ، الخارجون على حدود ربهم ، أما الأقلون منهم فهم الذين وفوا بعهودهم ، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا ، ولم يظاهروا عليهم أحدا .

وبذلك نرى أن الاية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا فى نهاية الذم والقبح ، لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا واسرفوا فى الإِيذاء ، نابذين كل عهد وقراءة وعرف . . أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين الذى تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة .

أى أن الغدر ملازم لهم فى حالتى قوتهم وضعفهم ، لأنهم فى حالة قوتهم ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ . وفى حالة ضعفهم يخادعون ويداهون حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين .

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك السبب الأصيل الذى جعل الغدر ديدنهم ، والحقد على المؤمنين دأبهم فقال : ﴿ اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

والمراد بالاشتراء هنا الاستبدال والاستيعاض .

والمراد بآيات الله : كل ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من آيات قرآنية ، ومن تعاليم سامية تهدى إلى الخير والفلاح .

والمعنى؛ إن السبب الأصيل الذى حمل هؤلاء المشركين على الغدر ، وعلى الفجور والطغيان عند القوة وعلى المداهنة والمخادعة عند الضعف . هو أنهم استبدلوا بآيات الله المتضمنة لكل خير وفلاح . . ثمنا قليلا . أى : عرضا حقيرا من أعراض الدنيا وزخارفها .

وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات . بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات . لأن كل ثمن يؤخذ فى مقابل آيات الله فهو قليل وإن بلغ ما بلغ من اعراض الدنيا وزينتها .

وقوله : ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ بيان لما ترتب على استبدالهم بآيات الله ثمنا قليلا .

والصد : المنع والحيلولة بين الشيء وغيره ، ويستعمل لازما فيقال : صد فلان عن الشئ صدودا بمعنى أعرض عنه . ويستعمل متعديا فيقال : صده عنه إذا صرفه عن الشئ .

وهنا تصح إرادة المعنيين فيكون التقدير : أن هؤلاء المشركين قد اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، يترتب على ذلك أن أعرضوا عن طريق الله الواضحة المستقيمة التى جاء بها نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - يترتب على ذلك أن أعرضوا عن طريق الله الواضحة المستقيمة التى جاء بها نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكتفوا بهذا بل صرفوا غيرهم عنها ، ومنعوه من الدخول فيها .

وقوله : ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ تذليل قصد به بيان سوء عاقبتهم ، وقبح أعمالهم .

أى : إنهم ساء وقبح عملهم الذى كانوا يعملون من اشترائهم بآيات الله ثمنا قليلا ، ومن صدودهم عن الحق وصدهم لغيهرم عنه . . وسيجازيهم الله على ذلك بما يستحقونه عن عقاب شديد .

ثم بين - سبحانه - أن عداوة هؤلاء المشركين ليست خاصة بالمؤمنين الذين يقمون معهم ، وإنما هى عداوة شاملة كل مؤمن مهما تباعد عنهم فقال - تعالى - : ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وأولئك هُمُ المعتدون ﴾ .

أى : أن هؤلاء المشركين لا يراعون فى أمر مؤمن يقدرون على الفتك به عهدا يحرم الغدر ، ولا قرابة تقتضى الود ، ولا ذمة توجب الوفاء خشية الذم . . وإنما يبيتون الحقد والعدر والأذى لكل مؤمن ، من غير أن يقيموا للعهود أو للفضائل وزنا .

وهذه الآية الكريمة أعم من قوله - تعالى - : قبل ذلك : ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ لأن هذه بينت أن عدوانهم على المؤمنين مقيد بظهورهم عليهم ، أما التى معنا فقد بينت أن عدوانهم ليست مقيدا بشئ ، فهم متى وجدوا الفرصة اهتبلوها فى الاعتداء على المؤمنين ولأن التى معنا بينت ان عداوتهم قد شملت كل مؤمن مهما كان موضعه . أما الآية السابقة فهى تخاطب المؤمنين الذين كان بينهم وبين الشمركين الكثير من الحروب والدماء .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٦٩