الحسد والحقد
قال تعالى : ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (105) سورة البقرة
لقد كانت معجزة القرآن الخالدة أن صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كل أجيالهم من قبل الإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا . مما جعل القرآن يخاطبهم - في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى - عليه السلام - وعلى عهود خلفائه من أنبيائهم باعتبارهم جبلة واحدة . سماتهم هي هي , ودورهم هو هو , وموقفهم من الحق والخلق موقفهم على مدار الزمان ! ومن ثم يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى , إلى خطاب اليهود في المدينة , إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . ومن ثم تبقى كلمات القرآن حية كأنما تواجه موقف الأمة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها . وتتحدث عن استقبال يهود لهذه العقيدة ولهذه الدعوة اليوم وغدا كما استقبلتها بالأمس تماما ! وكأن هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر والتحذير الدائم للأمة المسلمة , تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دس وكيد , وحرب منوعة المظاهر , متحدة الحقيقة ! (الظلال)
****************
يكشف القرآن الكريم للمسلمين عما تكنه لهم صدور اليهود حولهم من الشر والعداء , وعما تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد , بسبب ما اختصهم به الله من الفضل . ليحذروا أعداءهم , ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان , ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه:
(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم . والله يختص برحمته من يشاء . والله ذو الفضل العظيم) . .
ويجمع القرآن بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر . .
وكلاهما كافر بالرسالة الأخيرة فهما على قدم سواء من هذه الناحية ; وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن , ولا يود لهم الخير . وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين . هو أن يختارهم الله لهذا الخير وينزل عليهم هذا القرآن , ويحبوهم بهذه النعمة , ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض , وهي الأمانة الكبرى في الوجود .
ولقد سبق الحديث عن حقدهم وغيظهم من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده , حتى لقد بلغ بهم الغيظ أن يعلنوا عداءهم لجبريل - عليه السلام - إذ كان ينزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم:
(والله يختص برحمته من يشاء) . .
فالله أعلم حيث يجعل رسالته ; فإذا اختص بها محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به , فقد علم - سبحانه - أنه وأنهم أهل لهذا الاختصاص .
(والله ذو الفضل العظيم) . .
وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة ; وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه . وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل , وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد . .
وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود , لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين , وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين ! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 179)
﴿ مَّا يَوَدُّ ﴾ أي : ما يحب ، إذ الود محبة الشيء مع تمنيه ، يقال : ود فلان كذا يوده وداً ومودة بمعنى أحبه وتمناه .
قال صاحب الكشاف : " ومن الأولى في الآية للبيان ، لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان ، أهل الكتاب والمشركون ، والثانية مزيدة لاستغراق الخير والثالثة لابتداء الغاية " .
وقوله - تعالى - : ﴿ مَّا يَوَدُّ ﴾ . . إلخ الآية بيان لما يبيته الكافرون - خصوصاً اليهود - للمسلمين من حقد وكراهية وتحذير لهم من الاطمئنان إليهم ، والثقة بهم .