وقد أفاض المفسرون عند تفسيرهم للآية السابقة : ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [ في ذكر ما ورد من النصوص عن الرسول r وخلفائه تطبيقاً لهذه الآية .
من ذلك ما روى مسلم عن بريدة أن رسول الله r كان ] إذا بعث جيشاً [يقول : " اغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوليد ، ولا أصحاب الصوامع " .
وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان ... فقال : " إنَّك ستجد قوماً زعموا أنَّهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا ، أنهم حبسوا أنفسهم له ... وإني موصيك بعشر : لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبياً ولا كبيراً هرماً ، ولا تقطعنَّ شجراً مثمراً ، ولا تخربنَّ عامراً ، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ ، ولا تحرقنَّ نخلاً ولا تفرقنَّه ولا تغلل ، ولا تجبن " .
قال الطبري : عن يحيى الغساني قال : كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أساله عن قوله تعالى : ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [ فكتب إليَّ أنَّ ذلك في النساء والذرية ، ومن لم ينصب لك الحرب منهم .
وعن ابن عباس في تفسير الآية : " لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ، ولا من ألقى إليكم السلم وكفَّ يده ، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم ".
وروى الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى :] وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [ ]البقرة آية: 193 [ . قال : " يقول : لا تقاتلوا إلا من قاتلكم " .
وقال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة : ] وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ [ ]المائدة آية : 2[ . "معناها ظاهر ، أي لا يحملكم بغض قوم قد كانوا صدُّوكم عن المسجد الحرام ... عن أن تعتدوا حكم الله فيهم ، فتقتصوا منهم ظلما وعدواناً ،بل احكموا بما أمركم الله من العدل في حق كل أحد ... وهذه الآية كما سيأتي في قوله : ] ِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ [ " قال : ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : هي محكمةٌ ، أي : قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ،ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم " .
وقال عمر بن الخطاب : " اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب " وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرَّاثاً .
ويدلُّ تاريخ الإسلام في كل العصور على أنَّ المسلمين الملتزمين طبَّقوا هذا المبدأ دون استثناء .
ثانياً : في حالة السلم :
أبرز مظهر للعلاقات الدولية في حالة السلم المعاهدات .
وقد عني القرآن في زهاء ثلاثين موضوعا منه بالتأكيد على وجوب وفاء المسلم بالعهد وتحريم الإخلاء به علي سبيل المثال قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [ ]المائدة آية : 1[ .
قال ابن كثير : ] أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : يعني بالعقود العهود . وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك " .
قال : " (والعقود ) ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره " .
وعن ابن عباس ] في تفسيرها [ : " لا تغدروا ولا تنكثوا " .
وقال تعالى: ] وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [ ]الإسراء آية : 34[ .
وقال تعالى : ] إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [ ] التوبة آية : 7[ .